لم تكن فيضانات آسفي حادثا عابرا ولا مفاجأة غير متوقعة، بل كانت جرس إنذار جديد يؤكد أن المدينة ما تزال تدفع ثمن سنوات من الإهمال وسوء التدبير وغياب الرؤية الاستباقية. فعندما تتحول أمطار موسمية إلى مآس إنسانية وخسائر مادية جسيمة، يصبح الخلل واضحا في منظومة الوقاية قبل أن يكون في قسوة الطبيعة.
آسفي، بتاريخها وتضاريسها ومجاري أوديتها، معروفة بمخاطر الفيضانات، ومع ذلك استمر التوسع العمراني غير المحكوم، وأهملت شبكات تصريف مياه الأمطار، وغابت الصيانة الدورية، في مقابل خطابات رسمية لا تصمد أمام الواقع. الحديث المتكرر عن "استثنائية التساقطات" لم يعد مبررا، لأن الاستثناء يتكرر، بينما تتكرر معه المأساة نفسها دون محاسبة واضحة.
ولا يمكن إغفال ضعف ثقافة الاستباق والوقاية، حيث تصدر النشرات الإنذارية وترفع درجات اليقظة، لكن التنزيل الميداني يظل محدودا. غياب التنسيق بين المتدخلين، وتأخر الإجراءات الاحترازية، وترك الساكنة تواجه الخطر بإمكاناتها البسيطة، كلها مؤشرات على أن تدبير المخاطر ما يزال يُدار بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الحماية المسبقة.
إن ما وقع في آسفي هو مسؤولية جماعية: مسؤولية من خطط ورخص، ومن راقب وغض الطرف، ومن لم يفعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلا كشعار. المواطن لا يطالب بالمستحيل، بل بحقه في مدينة آمنة، وبنية تحتية تحميه، وسلطات تضع سلامته فوق كل اعتبار.
اليوم، تحتاج آسفي إلى موقف موحد لا يختزل المأساة في التعازي ولا يبددها في لجان ظرفية، بل يفتح باب المساءلة الجدية والإصلاح الحقيقي، لأن المدن لا تغرق بالأمطار وحدها، بل تغرق حين يغيب القرار الشجاع وتعلق المحاسبة.