السبت، 24 يناير 2026

بريجيت باردو ترحل عن 91 عاما… فنانة غيرت صورة المرأة في السينما


أعلنت مؤسسة بريجيت باردو اليوم الأحد وفاة النجمة الفرنسية بريجيت باردو عن عمر ناهز 91 عاما، دون الكشف عن سبب الوفاة. وعرفت الممثلة الفرنسية شهرة عالمية مبكرة بعد أدائها اللافت في فيلم "وخلق الله المرأة"، حيث ظهرت ترقص المامبو حافية القدمين بشعرها المنفوش وحضورها الجريء، مقدمة صورة غير مسبوقة للأنوثة المتحررة في سينما الخمسينيات.

كانت في الحادية والعشرين من عمرها عندما أثار الفيلم، الذي أخرجه زوجها آنذاك روجيه فاديم عام 1956، جدلا واسعا واصطدم بالرقابة، لكنه في المقابل أسر الجمهور وكرس باردو رمزا لمرحلة جديدة كسرت صورة البطلة الخجولة التي سادت قبلها.

وولدت باردو في باريس في 28 شتنبر 1934 داخل أسرة من الطبقة الميسورة، ووصفت طفولتها لاحقا بأنها كانت خجولة وتعاني من انعدام الثقة بالنفس. غير أن مسارها تغير سريعا عندما ظهرت وهي في الخامسة عشرة على غلاف مجلة "إيل"، ما فتح أمامها أبواب عرض الأزياء ثم السينما.

جسدت باردو في "وخلق الله المرأة" صورة للأنوثة المتحررة والمتمردة على القوالب التقليدية، وهو ما جعلها أيقونة ثقافية في فرنسا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولم يقتصر تأثيرها على السينما الفرنسية، إذ ألهمت فنانين عالميين، من بينهم بوب ديلان الذي يقال إنه كتب أولى أغانيه عنها، وأندي وارهول الذي رسم بورتريها الشهير. كما اعتبرتها الفيلسوفة سيمون دو بوفوار تجسيدا للحرية الصادقة، وكتبت عنها مقالا شهيرا أشادت فيه بعفويتها وصدقها ورفضها للتصنع.

ورغم هذا التأثير الواسع، عاشت باردو علاقة معقدة مع الشهرة، إذ كانت تصف نفسها بسجينة الأضواء، غير قادرة على عيش حياة طبيعية. وتحدثت في أكثر من مناسبة عن معاناتها النفسية وشعورها بالعزلة، كما مرت بتجارب شخصية صعبة شملت أربع زيجات وعلاقات عاطفية مضطربة واكتئابا حادا. وفي عيد ميلادها السادس والعشرين، عثر عليها فاقدة للوعي في منزلها بالريفييرا الفرنسية بعد محاولة انتحار، وتكررت لاحقا شائعات عن محاولات أخرى.

إلى جانب التمثيل، خاضت باردو تجربة موسيقية ناجحة، خصوصا من خلال تعاونها مع سيرج غينسبورغ في أغان مثيرة للجدل، أبرزها "Je t’aime… moi non plus". وفي أواخر الستينيات اختيرت لتجسيد تمثال ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية. لكنها رغم كل هذا المجد، عبرت مرارا عن إحساس عميق بعدم الرضا، مؤكدة أنها كانت مشهورة وغنية وجميلة، لكنها في الوقت نفسه تعيسة، وهو ما دفعها إلى الانسحاب التدريجي من الحياة العامة.

أنهت باردو مسيرتها السينمائية عام 1973 بعد 42 فيلما، معلنة قطيعة مع عالم اعتبرته فاسدا، واستقرت في سان تروبيه حيث وجدت عزاءها في الطبيعة والحيوانات. هناك كرست حياتها للدفاع عن حقوق الحيوان، وأسست عام 1986 مؤسسة تحمل اسمها، مولت أنشطتها من خلال بيع مقتنياتها الشخصية. وأصبحت مواقفها المدافعة عن الحيوانات جزءا أساسيا من صورتها العامة، إلى حد أنها هددت بمغادرة فرنسا في أكثر من مناسبة احتجاجا على قضايا تتعلق بالرفق بالحيوان.

في المقابل، أثارت تصريحاتها السياسية والاجتماعية، خاصة بشأن الهجرة والإسلام، جدلا واسعا وأدت إلى إدانات قضائية متكررة بتهمة التحريض على الكراهية العنصرية. كما ارتبط اسمها بالتيار اليميني المتطرف في فرنسا بعد زواجها من برنار دورمال ودعمها العلني لزعماء حزب الجبهة الوطنية. ورغم هذا الجدل، ظل تأثيرها الثقافي حاضرا في الموضة والسينما والذاكرة الجماعية، حيث استمرت صورتها في العودة عبر الوثائقيات والكتب.

وفي مقابلة حديثة، رفضت باردو اعتبار نفسها رمزا للثورة الجنسية، مؤكدة أنها لا تنتمي إلى التيار النسوي، وأن ما يهمها اليوم هو أن يعرفها العالم كمدافعة عن الحيوانات. وبرحيلها، تطوى صفحة شخصية استثنائية جمعت بين الجرأة الفنية، والتمرد الاجتماعي، والجدل السياسي، تاركة أثرا لا يمحى في تاريخ الثقافة الفرنسية.