السبت، 24 يناير 2026

مادورو يمثل أمام القضاء في نيويورك،.. اعتقال رئيس فنزويلا يشعل عاصفة دبلوماسية في مجلس الأمن


شهدت الساحة الدولية تطورا غير مسبوق بعدما مثل الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، رفقة زوجته سيليا فلوريس، أمام محكمة فدرالية في نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات، في وقت كان من المنتظر أن يناقش مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قانونية العملية الأمريكية التي أدت إلى اعتقاله.

وجاء ذلك عقب تدخل عسكري أمريكي واسع النطاق في كاراكاس، يعد الأكبر من نوعه في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما سنة 1989، حيث نفذت قوات خاصة عملية خاطفة عبر مروحيات اخترقت الطوق الأمني المحيط بمادورو واعتقلته من داخل غرفة محصنة.

ونقل مادورو وزوجته فجر الاثنين من مركز احتجاز في بروكلين تحت حراسة مشددة إلى محكمة مانهاتن الفدرالية، حيث مثلا في جلسة أولى للنظر في التهم الموجهة إليهما. وتتهم السلطات الأمريكية مادورو بالإشراف على شبكة دولية لتهريب الكوكايين، بالتعاون مع منظمات مسلحة وشبكات إجرامية من بينها كارتيلات سينالوا وزيتاس المكسيكية، ومتمردو القوات المسلحة الثورية الكولومبية، وعصابة ترين دي أراغوا الفنزويلية. وقد دأب مادورو، البالغ من العمر 63 سنة، على نفي هذه الاتهامات، معتبرا إياها غطاء لأطماع إمبريالية تستهدف ثروات بلاده النفطية.

ورغم اعتقاله، لا يزال مسؤولون كبار من حكومته التي استمرت 13 سنة يتولون تسيير شؤون البلاد، حيث انتقل خطابهم من التحدي إلى إبداء استعداد محتمل للتعاون مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. وفي الوقت الذي وصف فيه ترامب مادورو بالديكتاتور وتاجر المخدرات، لم يخف رغبته في تقاسم ثروات فنزويلا النفطية، التي تعد الأكبر في العالم بحوالي 303 مليارات برميل، أغلبها من النفط الثقيل في منطقة أورينوكو. غير أن هذا القطاع عرف تراجعا حادا بسبب سوء التسيير ونقص الاستثمار والعقوبات الأمريكية، ليبلغ متوسط الإنتاج 1.1 مليون برميل يوميا العام الماضي، أي ثلث مستواه في سبعينات القرن الماضي.

وبعد أن نددت في البداية باعتقال مادورو واعتبرته عملية اختطاف ونهبا استعماريا للنفط، غيرت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز نبرتها، معلنة أن أولوية الحكومة تتمثل في إقامة علاقات محترمة مع واشنطن، وداعية إلى التعاون بدل المواجهة. وتعرف رودريغيز، المنتمية إلى التيار التشافيزي، بمواقفها الحادة، لكنها تحظى أيضا بسمعة براغماتية وعلاقات قوية في الأوساط الاقتصادية.

وفي المقابل، لوح الرئيس ترامب بإمكانية توجيه ضربات إضافية إذا لم تتعاون فنزويلا في فتح قطاعها النفطي ووقف تهريب المخدرات، مهددا كذلك كولومبيا والمكسيك، ومعتبرا أن الحكومة الشيوعية في كوبا باتت على وشك الانهيار. ولا تزال كيفية تعامل الولايات المتحدة مع مرحلة ما بعد مادورو غير واضحة، خاصة في ظل تهميش المعارضة الفنزويلية التي كانت تراهن على هذا التحول.

وأثار اعتقال رئيس دولة أجنبية موجة استنكار دولية، دفعت مجلس الأمن إلى مناقشة أبعاده القانونية والسياسية، حيث أدانت روسيا والصين وحلفاء فنزويلا اليساريون العملية الأمريكية، فيما أكدت كوبا مقتل 32 من عناصرها العسكريين والاستخباراتيين خلال التدخل. أما حلفاء واشنطن، الذين لم يعترف معظمهم بشرعية مادورو بسبب اتهامات التزوير الانتخابي، فالتزموا الحذر ودعوا إلى احترام القانون والحوار.

ويقضي مادورو، الذي كان سائق حافلة ونقابيا قبل أن يتولى وزارة الخارجية ثم الرئاسة سنة 2013، فترة احتجازه في مركز الاعتقال الفدرالي بنيويورك، المعروف بظروفه القاسية. وبررت إدارة ترامب العملية أيضا بتدفق المهاجرين الفنزويليين وبقضية تأميم المصالح النفطية الأمريكية في العقود الماضية، مؤكدة عزمها إعادة الشركات الأمريكية إلى فنزويلا.

داخل البلاد، سادت حالة ترقب وقلق، حيث امتنع معارضو مادورو عن الاحتفال في ظل استمرار حلفائه في السلطة وعدم ظهور مؤشرات على انشقاق عسكري. واتجه المواطنون إلى تخزين المواد الغذائية والأدوية تحسبا لأي اضطرابات، بينما انعكست التطورات على الأسواق العالمية بارتفاع أسعار النفط وصعود السندات الفنزويلية المتعثرة.