السبت، 24 يناير 2026

اكتشاف أحافير تعود إلى 773 ألف سنة بالدار البيضاء يعيد رسم خريطة أصل الإنسان


أعلن فريق دولي من الباحثين عن اكتشاف بقايا أحفورية لأشباه بشر تعود إلى نحو 773 ألف سنة في مدينة الدار البيضاء، في إنجاز علمي يقدم معطيات جديدة حول الأصل المشترك للإنسان الحديث Homo sapiens. وتم تقديم نتائج هذا الاكتشاف، يوم الأربعاء بالرباط، خلال مؤتمر ترأسه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، بحضور عدد من الباحثين المشاركين في هذا العمل العلمي، الذي نُشر في اليوم نفسه في مجلة Nature.

ويضم فريق البحث علماء من المغرب وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، حيث أسهم توصيف هذه البقايا الأحفورية وتأريخها في تعزيز فرضية الأصل الإفريقي للإنسان العاقل، بدل الأصل الأوراسي، من خلال معطيات جديدة تؤكد أن إفريقيا شكلت مهد تطور النوع البشري. ويعتقد العلماء أن السلف المشترك الأخير للإنسان الحديث والنياندرتال والدينيسوفان عاش ما بين 765 ألفا و550 ألف سنة، غير أن موطنه الجغرافي ظل محل نقاش علمي واسع.

وكانت اكتشافات سابقة، من بينها بقايا Homo antecessor في موقع سييرا دي أتابويركا شمال إسبانيا والمؤرخة بنحو 800 ألف سنة، قد غذت فرضية وجود هذا السلف في أوروبا. غير أن الأحافير المكتشفة في الدار البيضاء تعزز بقوة أطروحة الأصل الإفريقي لهذا السلف الذي شكل حلقة وصل بين الإنسان العاقل والنياندرتال. وتشمل هذه البقايا فكا شبه كامل لإنسان بالغ، ونصف فك آخر، وفك طفل، إضافة إلى عدد كبير من الأسنان وفقرات من العمود الفقري.

وأوضح عبد الرحيم محيب، مدير البعثة العلمية المغربية الفرنسية "ما قبل تاريخ الدار البيضاء"، أن المواد المدروسة تتكون من عدة فكوك بشرية، من بينها فك لطفل، وبقايا سنية وعناصر عظمية أخرى، عُثر عليها سنة 2008 داخل مغارة تعرف باسم "مغارة أشباه البشر" بمقلع توماس الأول في الدار البيضاء. وأكد أن أشباه البشر المكتشفين في هذا الموقع يمثلون أفضل المرشحين للسلف المشترك للإنسان الحديث، لكونهم يجمعون بين خصائص بدائية موروثة عن Homo erectus وسمات أكثر تطورا تقترب من الإنسان الحديث.

وأشار الباحث المغربي إلى أن هذه النتائج تسد فجوة مهمة في السجل الأحفوري الإفريقي، في فترة تشير فيها المعطيات الجينية إلى حدوث الانفصال التطوري بين أسلاف الإنسان العاقل في إفريقيا والمجموعات البشرية التي هاجرت نحو أوراسيا وأسهمت لاحقا في ظهور النياندرتال والدينيسوفان. واعتبر أن التركيبة الفريدة لهذه الأحافير، التي تجمع بين خصائص بدائية وأخرى متطورة، تؤكد عمق الجذور الإفريقية للإنسان الحديث، وتبرز الدور المحوري لشمال إفريقيا في المراحل الكبرى لتطور البشرية.

ويذكر أن أقدم بقايا معروفة للإنسان العاقل، تعود إلى حوالي 315 ألف سنة، تم اكتشافها سنة 2017 بموقع جبل إيغود جنوب المغرب. وفي هذا السياق، أوضح الباحث أسير غوميز من جامعة إقليم الباسك أن تحديد عمر بقايا الدار البيضاء تم اعتمادا على تقنية حديثة للتأريخ المغناطيسي عالي الدقة، شملت دراسة الأحافير والرواسب المحيطة بها، ما مكن من الوصول إلى تقدير زمني دقيق يبلغ نحو 773 ألف سنة.

وأضاف غوميز، الذي اشتغل على دراسة الفقرات العنقية والصدرية المكتشفة، أن هذه البقايا تختلف من الناحية المورفولوجية عن Homo antecessor في إسبانيا، ما يدل على وجود تمايز إقليمي بين أوروبا وشمال إفريقيا منذ أواخر العصر البليستوسيني المبكر. وأبرز أن هذا التقدم العلمي لم يكن ممكنا دون اعتماد مقاربة متعددة التخصصات، جمعت خبراء في مجالات علمية مختلفة، وهو ما يعد أساسيا لفهم مسار تطور الإنسان.

من جهته، اعتبر الباحث خوان إغناسيو موراليس من المعهد الكتالوني لعلم البيئة البشرية والتطور الاجتماعي أن هذه الدراسة تسد فجوة أساسية في السجل الإفريقي في الفترة التي تحدد فيها المعطيات الجينية انفصال سلالة الإنسان العاقل عن النياندرتال. وأوضح أن أشباه البشر المكتشفين في الدار البيضاء يمكن اعتبارهم المعادل الإفريقي لـHomo antecessor، باعتبار أن النوعين يمثلان شكلا متطورا من Homo erectus على ضفتي المتوسط، مع بنية تشريحية تجمع بين السمات البدائية والحديثة.