السبت، 24 يناير 2026

اتصالات سرية بين واشنطن ووزير الداخلية الفنزويلي قبل أشهر من الإطاحة بمادورو


كشفت مصادر مطلعة أن مسؤولين في إدارة الرئيس ترامب أجروا اتصالات مع وزير الداخلية الفنزويلي ديوسدادو كابيو قبل أشهر من العملية الأمريكية التي انتهت بالإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، كما استمرت هذه الاتصالات بعد ذلك، في إطار مساع أمريكية لاحتواء الوضع الداخلي في فنزويلا ومنع انزلاقه نحو الفوضى.

وبحسب أربعة مصادر، فقد حذر المسؤولون الأمريكيون كابيو، البالغ من العمر 62 سنة، من استخدام الأجهزة الأمنية أو أنصار الحزب الحاكم المتشددين الخاضعين لنفوذه لاستهداف المعارضة. وتشمل هذه الأجهزة الاستخبارات والشرطة والقوات المسلحة، التي لا تزال بنيتها الأساسية قائمة إلى حد كبير بعد المداهمة الأمريكية التي نفذت في الثالث من يناير.

ويأتي ذلك رغم أن كابيو مشمول في لائحة الاتهام الأمريكية نفسها المتعلقة بالاتجار بالمخدرات، والتي استندت إليها واشنطن لتبرير توقيف مادورو، إلا أنه لم يكن ضمن الأشخاص الذين تم اعتقالهم خلال العملية. وتشير المصادر إلى أن التواصل مع كابيو تطرق أيضا إلى العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، وإلى ملف الاتهام الذي يواجهه، وأن هذه الاتصالات بدأت في الأيام الأولى للإدارة الحالية واستمرت في الأسابيع التي سبقت الإطاحة بمادورو، ثم تواصلت بعدها.

وترى الإدارة الأمريكية أن هذا التواصل عنصر أساسي للسيطرة على الوضع داخل فنزويلا، إذ يحذر مسؤولون من أن لجوء كابيو إلى تفعيل القوى التي يسيطر عليها قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة تهدد استقرار المرحلة الانتقالية وتقوض موقع الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، التي تحظى حتى الآن بإشادة من الرئيس ترامب.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الاتصالات قد شملت نقاشا حول شكل الحكم المستقبلي في فنزويلا، أو ما إذا كان كابيو قد التزم فعليا بالتحذيرات الأمريكية. فقد أعلن علنا دعمه لوحدة الصف مع رودريغيز، غير أن مراقبين يرون أن نفوذه قد يكون حاسما إما في تثبيت المسار الذي ترعاه واشنطن أو في إفشاله.

ويعتقد أن كابيو، الذي تواصل مع الإدارة الأمريكية بشكل مباشر وعبر وسطاء، يشكل شخصية محورية في المعادلة الفنزويلية. وقد تحدثت المصادر بشرط عدم الكشف عن هويتها نظرا لحساسية الاتصالات الجارية. ولم يصدر أي تعليق فوري من البيت الأبيض أو من الحكومة الفنزويلية.

ويُنظر إلى كابيو منذ سنوات باعتباره الرجل الثاني الأقوى في فنزويلا. فقد كان من المقربين من الرئيس الراحل هوغو تشافيز، ثم أصبح أحد أكثر حلفاء مادورو ولاء، واكتسب سمعة بوصفه أبرز منفذي سياسات القمع. ورغم عمله ورودريغيز في قلب مؤسسات الدولة والحزب الاشتراكي الحاكم، فإنهما لم يُعرفا يوما بتحالف وثيق.

وبصفته ضابطا عسكريا سابقا، بسط كابيو نفوذه على أجهزة الاستخبارات العسكرية والمدنية، المتهمة بممارسة مراقبة واسعة داخل البلاد، كما ارتبط اسمه بميليشيات موالية للنظام، أبرزها مجموعات مسلحة تعرف بـ"الكوليكتيفوس"، استخدمت في قمع الاحتجاجات.

وتعتمد واشنطن، وفق مصادر مطلعة، على عدد محدود من الشخصيات الموالية لمادورو لإدارة مرحلة انتقالية مؤقتة تضمن الاستقرار وإتاحة الوصول إلى موارد النفط، غير أن سجل كابيو في القمع وتاريخه من التنافس مع رودريغيز يثيران مخاوف من أن يتحول إلى عنصر معرقل.

وفي هذا السياق، يعمل فريق رودريغيز على تعزيز موقعه داخل مؤسسات الدولة عبر تعيين موالين في مواقع حساسة، بهدف تحصين السلطة من التهديدات الداخلية، بالتوازي مع تلبية مطالب أمريكية برفع إنتاج النفط. ويرى دبلوماسيون سابقون أن أي انتقال ديمقراطي حقيقي سيظل ناقصا ما لم يتم إقصاء كابيو في مرحلة ما.

ويخضع كابيو منذ سنوات لعقوبات أمريكية بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، إذ أدرجته واشنطن سنة 2020 ضمن ما يُعرف بـ"كارتل الشمس"، وخصصت مكافأة مالية وصلت لاحقا إلى 25 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى توقيفه، وهو ما ينفيه كابيو علنا.

وأثار عدم توقيفه خلال الإطاحة بمادورو تساؤلات في الأوساط السياسية الأمريكية، حيث اعتبر بعض النواب أن كابيو يمثل خطرا أكبر من الرئيس المعزول. وفي المقابل، ندد كابيو بالتدخل الأمريكي، مؤكدا أن فنزويلا لن تستسلم، رغم تراجع التقارير مؤخرا عن حملات تفتيش واسعة عند الحواجز الأمنية.

وأعلنت كل من الإدارة الأمريكية والحكومة الفنزويلية عن نية الإفراج عن عدد من المعتقلين الذين تصفهم المعارضة ومنظمات حقوقية بأنهم سجناء سياسيون، على أن يشرف كابيو، بصفته وزيرا للداخلية، على هذه العملية. غير أن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن وتيرة الإفراج بطيئة للغاية، وأن مئات الأشخاص لا يزالون محتجزين بشكل غير قانوني.