ما حدث خلال كأس إفريقيا للأمم لم يكن مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل لحظة وطنية جامعة أعادت إلى الواجهة صورة المغرب الواثق من نفسه، القادر على التنظيم المحكم، والمشبع بروح الانتماء. تابع العالم ملاعب في مستوى عال، وأمنا منضبطا، وجماهير راقية، وإدارة أثبتت أن الرهان الكبير يمكن كسبه حين تتكامل الإرادة مع التخطيط.
هذه اللحمة الوطنية، التي توحد فيها المغاربة خلف راية واحدة، لا ينبغي أن تبقى محصورة في المدرجات أو مرتبطة بزمن المنافسة. التحدي الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية، حين يتحول الإحساس بالفخر إلى فعل مواطني مستدام، وإلى مشاركة سياسية واعية تترجم حب الوطن إلى قرارات ومسؤوليات.
إن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تشكل محطة حاسمة في مسار المغرب، خاصة ونحن مقبلون على مرحلة مفصلية عنوانها "حكومة المونديال" وما تفرضه من انتظارات داخلية وتحديات خارجية. فالرهان اليوم ليس فقط على صورة المغرب، بل على قدرته على قيادة التغيير من الداخل، بسياسات عمومية ترقى إلى مستوى الطموح الوطني.
المشاركة المكثفة في الانتخابات ليست ترفا ديمقراطيا، بل واجب وطني. الذهاب إلى صناديق الاقتراع هو تعبير صريح عن المواطنة الفاعلة، وعن الإيمان بأن التغيير يصنع عبر المؤسسات، لا من خارجها. وهو أيضا رسالة واضحة بأن المغاربة، الذين أذهلوا العالم بتنظيمهم، قادرون على اختيار من يمثلهم ويحاسبه.
الوطنية اليوم لا تقاس بالشعارات، بل بالفعل: أن تصوت، أن تراقب، أن تحاسب، وأن تترشح لمن يملك الكفاءة والرغبة في خدمة الصالح العام. مغرب الغد، المغرب الصاعد، يحتاج إلى مواطنين فاعلين لا متفرجين، وإلى مشاركة سياسية واسعة تعكس نضج المجتمع وثقته في مستقبله.
من الكان إلى الانتخابات، الخيط الناظم واحد: حين يتوحد المغاربة حول هدف واضح، ينجحون. فلنحول إذن لحظة الفخر الجماعي إلى مسار إصلاحي مستمر، يقودنا بثبات نحو مغرب أقوى، أكثر عدلا، وأكثر إشراكا لأبنائه في صناعة قراره.