السبت، 24 يناير 2026

بلاغ ملكي يؤطر النجاح المغربي ويحصن العلاقات الإفريقية


لم يكن البلاغ الصادر عن الديوان الملكي عقب اختتام كأس إفريقيا للأمم مجرد رسالة شكر بروتوكولية أو تقييم رياضي لحدث قاري ناجح، بل شكل في عمقه خطاب تهدئة وضبط بوصلة في لحظة إقليمية وإفريقية حساسة، اختلطت فيها مشاعر الفخر الوطني ببقايا التوتر والانفعال الذي طبع الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية.

فمنذ الأسطر الأولى، حرص جلالة الملك محمد السادس نصره الله على تثبيت السردية الإيجابية للحدث، عبر الإشادة بالنجاح التنظيمي غير المسبوق، والتنويه بالانخراط الشعبي الواسع، بما يعكس صورة مغرب قادر على احتضان التظاهرات الكبرى وفق أعلى المعايير، ليس فقط رياضيا، بل تنمويا وحضاريا.  أيضا هنا، يتجاوز البلاغ منطق الكرة إلى منطق الدولة، حيث يصبح التنظيم الرياضي مرآة لنموذج تنموي متكامل ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وفي المقابل، لم يتجاهل البلاغ الملكي ما شاب نهاية البطولة من أحداث مؤسفة، لكنه تعامل معها بمنطق رجل الدولة لا بمنطق رد الفعل. فالإشارة إلى "تراجع حدة الانفعال والعواطف" ليست توصيفا عابرا، بل دعوة صريحة لتحكيم العقل، ورفض الانجرار وراء التصعيد أو توسيع هوامش التوتر، خصوصا حين يتعلق الأمر بعلاقات تاريخية تجمع شعوب القارة الإفريقية.

ويبرز في هذا السياق حرص جلالة الملك على تحصين الروابط الإفريقية من أي توظيف عابر أو تشهير مغرض، من خلال التأكيد على أن ما تحقق في المغرب هو نجاح لإفريقيا بأكملها، وأن المملكة لم تكن يوما سوى فضاء جامع للفرح القاري والتنافس الشريف. وهي رسالة ذات بعد استراتيجي، تضع الأحداث الرياضية في حجمها الطبيعي، وتمنع تحويلها إلى أدوات للفرقة أو القطيعة.

كما يوجه البلاغ ردا غير مباشر، لكن واضحا، على بعض محاولات التشكيك في المصداقية أو النيل من صورة المغرب، بالتأكيد على وعي الشعب المغربي وقدرته على التمييز بين النقد المشروع والحملات المغرضة. هنا، يبرز منسوب الثقة العالية بين المؤسسة الملكية والمجتمع، باعتبارها صمام أمان في مواجهة محاولات التشويش أو الاستفزاز.

يعكس البلاغ الملكي مقاربة مغربية ثابتة في تدبير الأزمات العابرة: الاعتراف بالإنجاز دون غرور، ومعالجة الاختلال دون تهويل، والانتصار لقيم الأخوة والتعاون بدل منطق الخصومة. وهو ما يجعل من هذا البلاغ وثيقة سياسية وأخلاقية بامتياز، تؤكد أن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات قارية ودولية أكبر، يراهن على العقل والحكمة بقدر ما يراهن على الإنجاز والطموح.