باشرت صحيفة واشنطن بوست، اليوم الأربعاء، موجة تسريحات واسعة ستؤدي إلى تقليص كبير في حجم هيئة التحرير، وتمس مختلف الأقسام التحريرية، وفق ما أفاد تسجيل لاجتماع داخلي تم تداوله. وأبلغ رئيس التحرير التنفيذي مات موراي العاملين بأن هذه الإجراءات ستشمل أقسام الشؤون الدولية والتحرير والمترو والرياضة، وتأتي بعد أيام فقط من قرار الصحيفة تقليص تغطيتها لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية لسنة 2026 في ظل الخسائر المالية المتراكمة.
وقال موراي خلال الاتصال الذي نقلته وكالة رويترز إن الصحيفة ظلت لفترة طويلة تعمل وفق هيكلة تعود إلى مرحلة كانت فيها شبه محتكر محلي، مؤكدا أن هذا النموذج لم يعد قابلا للاستمرار وأن المؤسسة تحتاج إلى مسار جديد وأساس أكثر متانة. ووصف أحد الصحافيين، طلب عدم الكشف عن هويته، ما يجري بأنه أشبه بعملية استئصال جماعي.
وشملت التسريحات صحافيين بارزين، من بينهم مراسلة شؤون أمازون كارولاين أودونوفان، ورئيسة مكتب القاهرة كلير باركر، إضافة إلى بقية مراسلي ومحرري الشرق الأوسط، وفق ما أوردته تدوينات لهما على منصة إكس. وفي بيان رسمي، اعتبرت الصحيفة أن ما يجري يمثل إعادة هيكلة عميقة تهدف إلى تعزيز موقعها المستقبلي وتركيز جهودها على صحافة مميزة قادرة على جذب القراء والاشتراكات.
وأكد موراي أن جميع الأقسام معنية بهذه الإجراءات، مشيرا إلى أن قسم السياسة والحكومة سيظل الأكبر والأكثر محورية في استراتيجية التفاعل ونمو الاشتراكات، في حين سيتم إغلاق قسم الرياضة بصيغته الحالية. وتأتي هذه الخطوة بعد أن كانت الصحيفة قد أعلنت السنة الماضية عن تغييرات داخلية وتسريحات في بعض الوظائف، مع تأكيدها آنذاك أن غرفة الأخبار لن تتأثر، علما أنها عرضت سنة 2023 حزم مغادرة طوعية على موظفين في مختلف القطاعات بعد تسجيل خسائر قدرت بنحو 100 مليون دولار.
وفي رد فعل نقابي، اعتبرت نقابة صحافيي واشنطن بوست أن استمرار المالك جيف بيزوس في التراجع عن الاستثمار في رسالة الصحيفة التاريخية يطرح تساؤلات حول أهليته لرعايتها، داعية إلى البحث عن من يتولى حماية هذا الإرث الصحافي. كما وجه فريق تغطية البيت الأبيض رسالة إلى بيزوس الأسبوع الماضي، أكدوا فيها أن جودة التغطية تعتمد على التعاون مع الفرق المهددة بالتسريح، وأن تنوع غرفة الأخبار عنصر أساسي في مواجهة الأزمات المالية.
وكان بيزوس قد صرح عند استحواذه على الصحيفة سنة 2013 بأنه سيحافظ على تقاليدها الصحافية ولن يتدخل في إدارتها اليومية، مع إقراره بأن التغيير سيكون حتميا مع مرور الوقت. غير أن العلاقة بين الإدارة والصحافيين شهدت توترا متصاعدا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد قرار الصحيفة عدم دعم أي مرشح في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نونبر 2024، وهو ما أدى إلى إلغاء أكثر من 200 ألف اشتراك رقمي.
كما أعادت الصحيفة هيكلة قسم الرأي خلال السنة الماضية، موجهة بوصلته نحو قضايا الحريات الفردية واقتصاد السوق، في وقت كان فيه بيزوس ضمن عدد من قادة التكنولوجيا الذين أبدوا تقاربا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث ظهر في موقع بارز خلال حفل تنصيبه. ورغم انتقادات ترامب السابقة لتغطية الصحيفة، فقد أشاد ببيزوس العام الماضي معتبرا أنه يقوم بعمل حقيقي في إدارتها.
وفي تعليق خارجي، اعتبر رئيس نادي الصحافة الوطني مارك شوف جونيور أن هذه التسريحات تشكل ضربة موجعة للصحافيين المتضررين ولمهنة الصحافة ككل، محذرا من تداعياتها على مستقبل الإعلام المستقل.