الاثنين، 09 فبراير 2026

خارطة طريق مدريد 2026… اجتماع يحسم المسار التقني ويكرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية كمرجع وحيد للتفاوض


أفضى اجتماع دام أربع ساعات، انعقد يوم الأحد بمقر السفارة الأمريكية في مدريد، وضم ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو والأمم المتحدة، تحت إشراف مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، إلى اعتماد مخطط الحكم الذاتي الموسع الذي قدمه المغرب كوثيقة التفاوض التقنية الوحيدة، ما أغلق الباب أمام أي مقترحات بديلة كانت تدعمها الجزائر والبوليساريو.

وتمكنت الولايات المتحدة، التي قادت هذا المسار، من دفع الجزائر إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات بصفتها طرفا مشاركا وليس مجرد مراقب، كما كانت تسعى في السابق، وقبولها بالوثيقة التقنية المعروضة، والتي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء تحت السيادة المغربية المرجع الوحيد للنقاشات التقنية المقبلة. وشهد الاجتماع تسجيل بعض التباينات في المواقف بين الوفد الجزائري وممثلي البوليساريو بشأن عدد من القضايا، دون أن يؤثر ذلك على المسار العام الذي طبع اللقاء.

واتفقت الأطراف الأربعة كذلك على إحداث لجنة تقنية دائمة تضم خبراء قانونيين من المغرب والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف مشترك من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، على أن تتولى دراسة الآليات العملية لتفعيل الحكم الذاتي في الصحراء، خصوصا في مجالات الجبايات والنظام القضائي والأمن المحلي.

ومن بين أبرز مخرجات اللقاء اعتماد ما سمي بخارطة طريق مدريد 2026 كاتفاق إجرائي يحدد موعد الجولة المقبلة من المحادثات في واشنطن خلال شهر ماي، بهدف التوقيع على إطار سياسي عام ينظم المرحلة المقبلة من العملية التفاوضية.

وكانت السفارة الأمريكية في مدريد قد نظمت هذا الاجتماع يوم الأحد 8 فبراير، بحضور ممثلين عن الدول المعنية، إضافة إلى ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء.

وأكد مصدر قريب من أشغال اللقاء أن هذا الاجتماع الأول أبرز بشكل واضح أولوية المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس العملي والواقعي لمعالجة النزاع.

وقاد الوفد الأمريكي الاجتماع من خلال مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس ترامب إلى شمال إفريقيا، ومايك والتز، رئيس البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، واضعين منذ البداية مرجعية واضحة، كان المشاركون على علم بها قبل قبولهم الحضور إلى مدريد، وهي قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي يعتبر مخطط الحكم الذاتي لسنة 2007 تحت السيادة المغربية الأساس الأكثر واقعية ومصداقية للتفاوض حول النزاع.

وساهم هذا الطرح، إلى جانب إصرار الولايات المتحدة المعلن على إنهاء هذا الملف، في تليين بعض المواقف الجزائرية ومواقف البوليساريو، لا سيما في ما يتعلق بالمصطلحات المعتمدة في النقاش.

ولا يزال الخلاف قائما حول مفهوم "تقرير المصير"، إذ يصر المغرب على أنه يتحقق من خلال الحكم الذاتي، في حين حاولت الجزائر التمسك بالصيغة الكلاسيكية، غير أن الضغط الأمريكي رجح الكفة لصالح المقاربة المغربية.

وما تم تثبيته في مدريد يمثل تحولا في المنهجية، حيث يجري الانتقال من نزاع جامد تحكمه مواقف إيديولوجية إلى مسار تقني ملموس يخضع لوصاية أمريكية قوية.

وخلال هذا الاجتماع، قدم وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة مخطط الحكم الذاتي الموسع في وثيقة مفصلة من أربعين صفحة، صممت بشكل دقيق ومنهجي، وتشمل مختلف القطاعات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.

وعرض الوزير المغربي المخطط عبر تقديمات تقنية تناولت البنية المؤسساتية، والجبايات، والعدالة، والأمن المحلي، ما حول النقاش فعليا من جدل سياسي مفتوح إلى فحص تقني معمق، وأضفى على الاجتماع طابعا عمليا ذا أهمية بالغة لمستقبل ساكنة الصحراء المغربية.

وفي ختام اللقاء، خرج المغرب باعتباره الرابح دبلوماسيا، بعد أن نجح في فرض خطاب "الواقعية السياسية" وجعل مخطط الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة لأي نقاش مستقبلي. كما عززت الولايات المتحدة موقعها باعتبارها الوسيط الوحيد القادر على جمع الأطراف الأربعة حول طاولة واحدة، متجاوزة سنوات من الجمود داخل أروقة الأمم المتحدة.

وبحسب انطباعات عدد من المشاركين، قبل الوفد الجزائري بخارطة الطريق من حيث المبدأ، لكنه يسعى إلى تدبير المرحلة بحذر لتفادي أي انعكاسات داخلية، حيث طلب وزير الخارجية أحمد عطاف مهلة لتهيئة الأجواء، في ظل إكراهات داخلية تواجهها الجزائر.

وفي المقابل، التزمت الجزائر الصمت بشأن الأسباب الحقيقية لزيارة وزير خارجيتها إلى مدريد، بينما انتقد القيادي في البوليساريو بشير مصطفى السيد، في مقال نشره يوم الأحد، عقد محادثات لا تضمن ما وصفه بـ"تقرير مصير الشعب الصحراوي".

من جهتها، شجعت إسبانيا جبهة البوليساريو على استثمار ما وصفته بالفرصة التاريخية والعودة إلى الوطن، في حين أكدت موريتانيا أن اعتماد الحكم الذاتي سيعود بالنفع على مجمل منطقة المغرب الكبير.

وسعت واشنطن إلى تنظيم صورة جماعية تضم وزيري خارجية المغرب والجزائر إلى جانب المسؤولين الأمريكيين ومبعوث الأمم المتحدة، لإيصال رسالة نجاح قوية إلى الرأي العام الدولي، غير أن الوفد الجزائري رفض بشكل قاطع الظهور في صورة مشتركة مع الوفد المغربي، تفاديا لأي انطباع قد يفهم على أنه تطبيع سياسي قبل التوصل إلى حل نهائي.

وتواجه الجزائر، وفق معطيات دبلوماسية، أكبر ضغط خارجي في تاريخ تدبيرها لهذا الملف، في وقت ينتظر أن تصدر واشنطن بيانا رسميا خلال الساعات المقبلة، يتوقع أن يتضمن عبارات قوية من قبيل "دعم ثابت للسيادة المغربية على الصحراء" و"دعوة الأطراف إلى الانتقال نحو التنفيذ العملي لخارطة طريق مدريد 2026".