الخميس، 12 فبراير 2026

صحيفة إسبانية تنشر التفاصيل الكاملة لمبادرة المغرب للحكم الذاتي للصحراء المغربية


قدم وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة في مدريد الصيغة الموسعة لمخطط الحكم الذاتي الخاص بالصحراء المغربية، وهو نص شامل يغطي مختلف الأبعاد القانونية والمؤسساتية والسياسية والاقتصادية المقترحة لتنزيل هذا الخيار. ويأتي ذلك في سياق دولي يتسم بتزايد الاهتمام الأوروبي بملفات السيادة والهجرة، وفي ظل نقاشات محتدمة داخل المؤسسات الأوروبية حول قضايا اللجوء وتداعياتها الحقوقية.

النص الجديد، الذي نشرت مضامينه الكبرى صحيفة أتالايار الإسبانية يقع في نحو 40 صفحة، هو ثمرة عمل منسق قاده ثلاثة من المستشارين الملكيين، الطيب الفاسي الفهري، عمر عزيمان، وفؤاد عالي الهمة، بطلب مباشر من الملك محمد السادس، مباشرة بعد مصادقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار 2797، الذي أكد أن الحكم الذاتي يشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتفاوض النهائي بشأن النزاع حول الصحراء.

ويمثل هذا التطور خلاصة مسار طويل من العمل الدبلوماسي والمؤسساتي المغربي، قادته الدبلوماسية الملكية تحت إشراف وزير الخارجية، وبدعم من مختلف مؤسسات الدولة، منذ تقديم المبادرة المغربية الأولى إلى الأمم المتحدة سنة 2007، مع إدراك واضح بأن الطريق ما زال يتطلب المزيد من الجهود السياسية والتفاوضية.

وقد حظي مخطط الحكم الذاتي المغربي بدعم أكثر من 120 دولة عبر العالم، في وقت عبأت فيه الإدارة المغربية الأحزاب السياسية والمؤسسات العمومية والخاصة وهيئات الخبراء من مختلف التخصصات، من أجل إعداد نص يستجيب بدقة وصرامة لمتطلبات الحكم الذاتي، مع الاستئناس بتجارب دولية مقارنة، من بينها نماذج الجهات ذات الحكم الذاتي في إسبانيا.

ويشكل هذا العرض ملخصا موضوعاتيا لوثيقة تقنية مركزية، تم اعتمادها خلال اجتماع مدريد كوثيقة تقنية، وقبلتها مختلف الأطراف، على أن تشتغل عليها لجنة من التقنيين والخبراء من المغرب والجزائر وموريتانيا، تحضيرا لاجتماعات رفيعة المستوى مرتقبة في واشنطن خلال شهري أبريل أو ماي، حيث سينظر في إمكانية المصادقة عليها.

وفي هذا السياق، أعلنت واشنطن رسميا أنها ستقود مشاورات بين أطراف النزاع حول الصحراء المغربية.

I- الأساس القانوني والبنية التنظيمية للنظام الأساسي

• أولا، يستعيد النص مرجعية مبادرة سنة 2007 التي أحيلت على الأمم المتحدة في عهد بان كي مون، لكنه يحولها إلى نص منظم مادة بمادة، يتضمن تعاريف معيارية، وبنود تفسير، وأحكاما انتقالية، وآليات للملاءمة الدستورية، وإجراءات للرقابة، بما يجعله أقرب إلى نظام أساسي عضوي حقيقي، قابل للمقارنة مع أنظمة الحكم الذاتي الأوروبية، وليس مجرد إعلان سياسي.

• ثانيا، يقوم توزيع الاختصاصات على تقنية مزدوجة تجمع بين لائحة حصرية لاختصاصات الدولة ولائحة مفصلة لاختصاصات الجهة، مدعومة بمبدأ التفريع، الذي ينص على أن كل اختصاص غير مسند صراحة إلى الجهة يظل اختصاصا وطنيا ما لم يتم الاتفاق رسميا على خلاف ذلك.

• ثالثا، تم تعريف الاختصاصات الحصرية للدولة بشكل ضيق وتشمل الدفاع الوطني، والأمن الاستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة، والسياسة النقدية، والجنسية، ورموز السيادة، والنظام القضائي الأعلى، مع استثناء هذه المجالات من أي اختصاص جهوي، حتى المشترك منها.

• رابعا، تم تعداد الاختصاصات الجهوية حسب القطاعات، وتشمل إعداد التراب، والتعمير، والتخطيط الاقتصادي الجهوي، والتنمية الصناعية والسياحية، وتدبير الصيد البحري، والسياسات الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والبيئة، وتدبير البنيات التحتية المائية والطاقية، والنهوض بالثقافة، مع سلطة إصدار أنظمة ملزمة في هذه المجالات.

• خامسا، تم التنصيص صراحة على مبدأ الولاء الدستوري كقاعدة ناظمة لممارسة الاختصاصات الجهوية، بما يفرض على جميع السلطات الذاتية احترام وحدة الدولة والتضامن الوطني وتناسق السياسات العمومية الوطنية.

• سادسا، ينص بند دستوري وقائي على أنه في حالة حدوث مس خطير بالنظام الدستوري أو بالوحدة الترابية أو بالسير العادي للمؤسسات، يمكن للدولة، وبصفة استثنائية ومؤقتة، تعليق بعض الاختصاصات الجهوية وفق مسطرة مضبوطة وخاضعة للرقابة القانونية.

II- تنظيم السلطة التشريعية الجهوية والتمثيل الديمقراطي

• سابعا، يتم تصور البرلمان الجهوي كهيئة أحادية الغرفة ذات شرعية مزدوجة، تجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نمط تمثيلي نسبي جهوي، وأعضاء معينين من طرف القبائل الصحراوية المعترف بها، وفقا لمسطرة يحددها قانون تنظيمي يضبط المعايير والإجراءات وضمانات الشفافية.

• ثامنا، يتضمن النص حصصا صريحة لتمثيلية النساء، مع نسبة دنيا إلزامية وآليات لمراقبة اللوائح لضمان فعاليتها.

• تاسعا، يتمتع البرلمان بسلطة تشريعية جهوية كاملة في المجالات الداخلة ضمن اختصاصه، بما في ذلك اعتماد قوانين تنظيمية جهوية بأغلبية معززة لضمان الاستقرار المعياري.

• عاشرا، يظل الممثلون المنتخبون عن الجهة أعضاء في البرلمان الوطني، بما يضمن المشاركة الكاملة للإقليم في القرارات السيادية للمملكة.

• حادي عشر، يتم إحداث مجلس جهوي اقتصادي واجتماعي وبيئي، يضم ممثلين عن القطاعات المنتجة والقبائل المعترف بها والمنظمات المهنية وجمعيات النساء والشباب، مع إلزامية إبداء الرأي الاستشاري في الميزانية الجهوية وتقديم تقرير سنوي عمومي.

III- هيكلة الجهاز التنفيذي الجهوي وعلاقته بالدولة المركزية

• ثاني عشر، يرأس الجهاز التنفيذي الجهوي رئيس حكومة يعينه الملك رسميا وفق الآلية التي يقترحها المغرب، القائمة على نظام تعيين مؤسساتي يهدف إلى ضمان الانسجام الدستوري ووحدة الدولة، وهو أحد أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات، إذ يعارض البوليساريو هذا الخيار ويدعو إلى انتخاب مباشر لرئيس الجهاز التنفيذي بالاقتراع العام، بينما تدافع الرباط عن نموذج تعيين أو تنصيب يمنع قيام قطب تنفيذي ذي شرعية سياسية منافسة للمؤسسات الوطنية.

• ثالث عشر، يتمتع رئيس الحكومة بسلطة تنظيمية جهوية، ويشرف على الإدارة الذاتية، ويعين كبار المسؤولين الجهويين، وله حق المبادرة التشريعية الجهوية.

• رابع عشر، يمكن تحميل الجهاز التنفيذي المسؤولية السياسية عبر ملتمس رقابة بناء يشترط اقتراح خليفة.

• خامس عشر، يقوم رئيس الحكومة أيضا بدور ممثل الدولة في الجهة، بما يضمن الرابط العضوي بين الحكم الذاتي والوحدة الوطنية.

IV- التنظيم القضائي وآليات المراقبة الدستورية

• سادس عشر، يشمل النظام القضائي الجهوي محاكم ابتدائية ومحاكم استئناف مختصة بتطبيق القوانين الجهوية، وتصدر أحكامها باسم الملك.

• سابع عشر، تختص محكمة جهوية عليا بالفصل النهائي في النزاعات المتعلقة بالقانون الجهوي، مع خضوعها للرقابة الدستورية الوطنية.

• ثامن عشر، ينص على آلية مؤطرة لحل تنازع الاختصاصات، تفرض مرحلة تشاور أولي إلزامية داخل لجنة مشتركة بين الدولة والجهة قبل أي إحالة على المحكمة الدستورية.

• تاسع عشر، تتيح آلية الرقابة الدستورية للحكومة المركزية أو لعدد محدد من البرلمانيين الوطنيين إحالة نزاع تنظيمي على المحكمة العليا.

V- الأنظمة المالية والجبائية والاقتصادية

• عشرون، تقوم الجبايات الجهوية على نظام موارد ذاتية يشمل ضرائب ترابية محددة، وإتاوات استغلال الموارد الطبيعية، وحصة مضبوطة من المداخيل الوطنية المتأتية من الإقليم.

• واحد وعشرون، يتم إرساء آلية للانضباط الميزاني والتنسيق الماكرو اقتصادي لتفادي أي انزلاق في العجز.

• اثنان وعشرون، تضمن آلية تضامن ميزاني وطني مساهمة الجهة في ميزانية الدولة مع استفادتها من صندوق للموازنة، تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات.

• ثلاثة وعشرون، يتم إقرار نظام ترابي خاص لحماية الأراضي الجماعية، ويوفر إطارا قانونيا للامتيازات المنجمية ومشاريع الطاقة والاستثمارات الاستراتيجية.

• أربعة وعشرون، تخضع الاستثمارات الأجنبية لمراقبة مزدوجة جهوية ووطنية، تتطلب ترخيصا تراكميا من سلطات الجهة ذات الحكم الذاتي ومن أجهزة الدولة المركزية، ضمانا لاحترام التوجهات الاستراتيجية الوطنية ومتطلبات الأمن الاقتصادي والتوازنات الترابية، وهو بند عارضته الجزائر صراحة خلال المفاوضات، بينما يتمسك المغرب بمبدأ الرقابة المزدوجة باعتبار أن السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي غير قابلين للتفويت.

VI- سياسة المصالحة وعودة السكان وآليات الانتقال

• خمسة وعشرون، تنظم مقتضيات خاصة مشاركة الأشخاص القادمين من مخيمات تندوف، بما يشمل التسجيل والإحصاء وتحديد الأهلية.

• ستة وعشرون، يتم إحداث لجنة دائمة لتنظيم عودة الصحراويين، مخولة بالتحقق من الهوية ومراقبة الانتماء بشكل صارم.

• سبعة وعشرون، تعتمد هذه اللجنة مساطر تواجهية، ونظام طعون، وآليات لتتبع الوثائق.

• ثمانية وعشرون، يتم إقرار آلية انتقالية لتنظيم نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مرفوقة بعفو مضبوط يستثني الجرائم المشمولة بالقانون الدولي.

VII- المصادقة الديمقراطية والإدماج الدستوري

• تسعة وعشرون، يعرض نظام الحكم الذاتي على استفتاء وطني يشارك فيه مجموع الناخبين المغاربة.

• ثلاثون، ينص النص على إدماجه في الدستور عبر إدراج باب خاص مرفق ببند عدم المساس.

• واحد وثلاثون، تخضع أي مراجعة لاحقة للنظام لمسطرة معززة تتطلب أغلبية مؤهلة في البرلمانين الجهوي والوطني.

• اثنان وثلاثون، يرتبط تفعيل النظام بتقدم الجهوية المتقدمة وطنيا تفاديا لأي إخلال بمبدأ المساواة الترابية.

VIII- الهوية والرموز وضمانات السيادة

• ثلاثة وثلاثون، تظل الرموز الوطنية، من علم ونشيد وشعار وعملة، اختصاصا حصريا للدولة.

• أربعة وثلاثون، يتم الاعتراف بالهوية الحسانية كمكون أصيل من التراث المغربي وتتم حمايتها مؤسساتيا.

• خمسة وثلاثون، يتم إحداث معهد جهوي مخصص للثقافة الحسانية لضمان صونها والنهوض بها.

• ستة وثلاثون، تقتصر القوات الأمنية الترابية على مهام الشرطة الإدارية والقضائية المحلية تحت تنسيق وطني.

• سبعة وثلاثون، يمنع أي شكل من أشكال الدبلوماسية الموازية، وتتم علاقات التعاون الدولي الجهوي بتشاور مع الدولة.

• ثمانية وثلاثون، لا يترتب عن الاعتراف الدولي بالنظام أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية الدائمة.

• تسعة وثلاثون، يتم اعتماد جدول زمني للتنفيذ المرحلي يتضمن مرحلة انتقال إداري.

IX- التنفيذ والتتبع وترسيخ نظام الحكم الذاتي

• أربعون، يتم إقرار آلية تقييم دوري كل خمس سنوات لدراسة سير عمل النظام.

• واحد وأربعون، ينص بند عدم القابلية للرجوع الترابي على استبعاد أي تأويل يفضي إلى حق الانفصال.

• اثنان وأربعون، تشارك الجهة في الاستراتيجية الأطلسية والإفريقية للمملكة ضمن إطار منسق.

وتؤكد مصادر قريبة من تنسيق هذا العمل أن النموذج المؤسساتي المقترح لم يكن وليد الصدفة، بل يستلهم أنجح تجارب الحكم الذاتي في العالم، خاصة تلك المعتمدة في إسبانيا وغرينلاند، مع استلهام تقنيات توزيع الاختصاصات ومسؤوليات الحكومات الجهوية وتدبير الموارد بشكل منظم، مع تكييف صارم مع الإطار الدستوري المغربي والطابع الوحدوي للدولة.

ولا يتعلق الأمر بنقل حرفي أو استعارة جاهزة، بل بتملك مدروس لآليات مجربة، أعيد ضبطها بما يتلاءم مع التوازنات القانونية والسياسية للمملكة.

ومن الناحية الدستورية والنظرية، يستلهم هذا المعمار من التقليد الفرنسي، سواء في إدماجه ضمن القانون الدستوري أو في طريقة ترسيم اتفاق سياسي ذي قيمة معيارية عليا، على غرار مقاربة اتفاق نوميا في كاليدونيا الجديدة.

ويتم تصور نظام الحكم الذاتي كتسوية بنيوية، مدمجة في قمة الهرم المعياري ومحمية بالدستور ذاته.

إنها مقاربة ذكية تقوم على استثمار ما نجح في تجارب أخرى، وتثبيته بقوة داخل الدستور المغربي، وضمان استمراريته دون أي مساس بالسيادة.

ولا يزال هذا النص، الذي يوجد حاليا قيد النقاش، غير منشور للعموم، باعتبار أن عددا من مقتضياته ما زال موضوع تحكيم ونقاش.