شكلت المحادثات التي جرت في مدريد بوساطة أمريكية تطورا لافتا في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، إذ عادت الجزائر إلى طاولة المفاوضات إلى جانب المغرب لأول مرة منذ سنوات، في وقت كان مقترح الحكم الذاتي الإطار الوحيد المطروح للنقاش. ويأتي هذا التطور الدبلوماسي في سياق تحولات أوسع يشهدها الملف على المستوى الدولي.
وقد أثار غياب أي إشارة إلى المغرب أو إلى قضية الصحراء في المقابلة التلفزية الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اهتمام المتابعين، خاصة أنه يمثل تغيرا ملحوظا مقارنة بخطاب سابق اتسم بحدة تجاه الرباط. واعتبر بعض المراقبين أن هذا التحول في النبرة قد يعكس توجها نحو تهيئة الرأي العام الداخلي لاحتمال اعتماد مقاربة جديدة تتماشى مع المناخ الدولي المتجه نحو دعم مقترح الحكم الذاتي.
وتشير تقارير إعلامية إقليمية نقلا عن مصادر دبلوماسية إلى أن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، الذي شارك في محادثات مدريد، طلب مهلة إضافية من أجل صياغة خطاب رسمي يمهد لإعادة تموضع محتملة في الموقف الجزائري التقليدي من النزاع. وإذا ما تأكد هذا المعطى، فإنه سيعكس تحولا مهما بعد عقود من التمسك بمقاربة سياسية داعمة لجبهة البوليساريو.
وتزايدت الضغوط على الجزائر في ظل تغير موازين القوى والتحالفات على المستويين الإقليمي والدولي. فقد كرس قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 تحولا بارزا في مقاربة الأمم المتحدة للملف، من خلال الإشارة الصريحة إلى مقترح الحكم الذاتي كأساس للتفاوض، مع استبعاد خيار الاستفتاء الذي ظل مطروحا خلال مراحل سابقة من النزاع.
كما تعزز هذا التوجه الدولي من خلال إعلان عدد متزايد من الدول دعمها للوحدة الترابية للمغرب ولمبادرة الحكم الذاتي، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى غالبية الدول العربية وعدد من الدول الإفريقية المؤثرة مثل نيجيريا وإثيوبيا وكينيا وغانا.
غير أن أي إعادة تموضع محتملة للجزائر تظل مرتبطة باعتبارات داخلية معقدة، في ظل خطاب رسمي سابق ركز على مبدأ تقرير المصير، وهو مبدأ يرى منتقدون أنه طبق بشكل انتقائي في قضايا إقليمية مختلفة. كما يأتي ذلك في سياق تحديات دبلوماسية واقتصادية تواجهها الجزائر، من بينها تعثر مساعي الانضمام إلى مجموعة بريكس، وتوتر العلاقات مع بعض الشركاء الإقليميين، فضلا عن ضغوط مالية ناجمة عن تقلب عائدات المحروقات.
وفي ظل تركيبة سكانية يغلب عليها الشباب، وتراجع جاذبية السرديات السياسية المرتبطة بمرحلة الحرب الباردة، يبدو أن صانعي القرار في الجزائر أمام معادلة دقيقة تتطلب موازنة الاعتبارات الداخلية مع التحولات الدولية المتسارعة. وتشير المعطيات الراهنة إلى أن أسس المقاربة الجزائرية لملف الصحراء قد تكون بصدد مراجعة هادئة، وإن لم تتبلور بعد في موقف رسمي معلن.