تشكل عملية إعادة المواطنين إلى منازلهم بمدينة القصر الكبير، بعد إجلائهم مؤقتا إلى طنجة جراء الاضطرابات الجوية التي شهدها إقليم العرائش، محطة دالة في تدبير الأزمات بالمغرب. فالأمر لا يتعلق فقط بعملية لوجستية لنقل مئات الأسر، بل بنموذج في المقاربة الاستباقية التي وضعت سلامة المواطن فوق كل اعتبار.
على مدى أسابيع، اشتغلت السلطات بشكل متواصل، ميدانيا وتنظيميا ، لتفادي الأسوأ. الإجلاء لم يكن قرارا سهلا، لكنه كان حاسما في لحظة دقيقة، وجنب المنطقة كارثة محققة. واليوم، ومع تحسن الوضعية الهيدرولوجية، تأتي العودة المنظمة لتؤكد أن التدخل لم يكن ظرفيا أو ارتجاليا ، بل جزءا من رؤية متكاملة تبدأ بحماية الأرواح ولا تنتهي إلا باستعادة الاستقرار.
اللافت في هذه العملية أنها لم تقتصر على إعادة السكان فحسب، بل سبقتها أشغال إزالة مخلفات الفيضانات، وإعادة تأهيل الأحياء، وإرجاع الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وتطهير واتصالات، بما يعكس إدراكا بأن الكرامة لا تقل أهمية عن السلامة. فالعودة الآمنة تعني أيضا عودة إلى شروط عيش مقبولة تحفظ كرامة الأسر وتؤمن استقرارها.
وتزداد رمزية هذه العودة قوة لأنها تتزامن مع اقتراب شهر رمضان، الذي يحتل مكانة خاصة في الوجدان المغربي. فالأسرة المغربية تنظر إلى هذا الشهر باعتباره زمن الطمأنينة والتآزر ولم الشمل. أن تعود الأسر إلى بيوتها قبل أيام من رمضان، فذلك يتجاوز البعد الإداري إلى بعد إنساني عميق، يعيد الدفء إلى البيوت ويمنح الناس فرصة استقبال الشهر الفضيل في أجواء من السكينة.
لقد أبانت هذه المرحلة، من الإجلاء إلى الإيواء ثم العودة، أن المواطن المغربي أصبح في صلب اهتمام الدولة وأولوية قراراتها. فالتحرك الاستباقي، والتعبئة المتواصلة، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، كلها عناصر تؤكد تحولا نوعيا في تدبير المخاطر، عنوانه: ربح رهان الحفاظ على الأرواح قبل أي اعتبار آخر.
لم تكن العودة مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل كانت رسالة واضحة مفادها أن الدولة حين تضع الإنسان أولا، فإنها تنتصر في أصعب الاختبارات. ومع حلول رمضان، تبدو هذه الرسالة أكثر إشراقا الطمأنينة ثمرة يقظة مبكرة، والعمل الاستباقي هو الطريق الأقصر إلى الأمان.