دخل سوق توريد المستلزمات الطبية مرحلة غير مسبوقة من التدقيق والاهتمام، بعد تزامن تحركات ميدانية باشرتها مصالح التحقيق والبحث لدى مجلس المنافسة مع نشر تحقيق وصف بالصادم من طرف مجلة "ملفات"، تحدث عن خروقات كبيرة واختلالات مفترضة داخل هذا القطاع الحيوي.
التحرك الذي قام به مجلس المنافسة، عبر عمليات زيارة فجائية وحجز بمقرات بعض الفاعلين، يندرج في إطار صلاحياته القانونية لجمع الأدلة والتحقق من شبهات ممارسات منافية للمنافسة. ورغم أن هذه الإجراءات لا تعني ثبوت المخالفات أو تحميل المسؤولية لأي طرف، فإنها تعكس جدية المؤشرات التي دفعت إلى تفعيل واحدة من أقوى أدوات البحث المنصوص عليها قانونا.
في المقابل، كان تحقيق "ملفات" قد أثار جدلا واسعا بعدما أشار إلى ما اعتبره تضخيما في الأسعار، وتكرار استفادة فاعلين محددين من صفقات عمومية، ومعطيات توحي باختلال مبدأ تكافؤ الفرص. ورغم أن هذه المعطيات تبقى في إطار الطرح الإعلامي إلى حين تأكيدها أو نفيها من الجهات المختصة، فإنها سلطت الضوء على سوق ظل لسنوات بعيدا عن النقاش العمومي، رغم ارتباطه المباشر بالمنظومة الصحية وبالمال العام.
تكمن حساسية هذا القطاع في أن أي خلل في قواعد المنافسة لا ينعكس فقط على توازنات السوق، بل قد يمتد أثره إلى كلفة التجهيزات الطبية وجودتها، وبالتالي إلى الخدمات المقدمة للمرضى. كما أن طبيعة الصفقات المرتبطة بالمستلزمات الطبية، والتي غالبا ما تكون ذات قيمة مالية مرتفعة وتعتمد بشكل كبير على الطلب العمومي، تجعل من الشفافية والمنافسة النزيهة شرطا أساسيا لضمان حسن التدبير.
اليوم، يقف السوق أمام مرحلة مفصلية. فإذا ما أسفرت التحقيقات عن إثبات وجود ممارسات منافية للمنافسة، فقد يشهد القطاع إعادة ترتيب عميقة لقواعد اللعبة وتشديدا أكبر في آليات المراقبة. أما إذا لم تثبت المخالفات، فسيكون لذلك أيضا أثر في إعادة الاعتبار للفاعلين المعنيين ووضع حد للتأويلات.
بين التحقيق الإعلامي والتحرك المؤسسي، يبدو أن الرسالة واضحة مفادها أن القطاعات الحيوية لم تعد بمنأى عن المساءلة. ويبقى الرهان الأكبر هو تكريس بيئة تنافسية عادلة، تحمي المال العام، وتعزز الثقة في آليات الرقابة، وتضمن في النهاية حق المواطن في منظومة صحية قائمة على الشفافية والإنصاف.