كشف مجلس المنافسة، يوم الثلاثاء 10 مارس 2026، عن مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تطبع مختلف حلقات سلسلة توزيع الأدوية في المغرب، مرفقا ذلك بحزمة من التوصيات الهادفة إلى تحسين فعالية السوق وتعزيز استدامته الاقتصادية. وجاء ذلك خلال ندوة صحفية خصصت لتقديم خلاصات رأي المجلس حول وضعية المنافسة في سوق الأدوية الموجهة للاستعمال البشري، في إطار تشخيص شامل هم بنية القطاع والإطار التنظيمي الذي يؤطره، إضافة إلى العوامل المؤثرة في دينامية المنافسة داخله.
وأوضح المجلس أن هذا التشخيص يروم تحديد آليات قادرة على تحسين شروط المنافسة داخل السوق وتوجيه السياسات العمومية نحو تحقيق توازن بين مصالح مختلف الفاعلين في القطاع وضمان حماية المستهلكين. وفي هذا السياق، أنجز المجلس سلسلة من أعمال التحقيق شملت تنظيم ست وثلاثين جلسة استماع مع المتدخلين في سلسلة توزيع الأدوية، فضلا عن توجيه استبيانات وطلب مئتين وثمانية عشر معطى من جهات مختلفة، من بينها ستة استبيانات موجهة إلى مؤسسات عمومية مثل الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي والوكالة الوطنية للتأمين الصحي والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
وأظهرت المعطيات التي قدمها المجلس أن قطاع الأدوية في المغرب حقق خلال سنة 2024 رقم معاملات بلغ خمسة وعشرين فاصلة تسعة مليارات درهم، مقابل واردات بلغت قيمتها عشرة فاصلة ستة مليارات درهم، في حين وصلت الصادرات إلى نحو واحد فاصلة ستة مليار درهم. ويضم القطاع ستة وخمسين مؤسسة صناعية صيدلانية وما مجموعه أربعة عشر ألفا ومئة وأربعة وثلاثين صيدلية.
كما بلغت نفقات الأدوية لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي ما مجموعه أحد عشر فاصلة ستة وثمانين مليار درهم، في وقت يستفيد فيه نحو سبعة وعشرين فاصلة ثمانية مليون شخص من نظام التغطية الصحية الإجبارية، وتشكل الأدوية حوالي ثلث نفقات هذا النظام.
وعلى مستوى توزيع الأدوية بالجملة، سجل مجلس المنافسة أن النموذج الاقتصادي المعتمد يعاني من قدر من الهشاشة، إذ يقوم أساسا على نظام تعويض مبني على هامش الربح المحتسب انطلاقا من سعر الدواء، وهو ما يجعله عرضة لتقلبات السوق وللسياسات المرتبطة بتحديد أسعار الأدوية.
أما بخصوص التوزيع بالتقسيط، فقد عرف عدد الصيدليات نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من تسعة آلاف ومئة وخمس وثمانين صيدلية سنة 2015 إلى أربعة عشر ألفا ومئة وأربعة وثلاثين صيدلية سنة 2024، أي بزيادة تناهز أربعة وخمسين في المائة. وتشير المعطيات ذاتها إلى أن المغرب يتوفر حاليا على معدل صيدلية واحدة لكل ألفين وستمائة نسمة، وهو رقم يفوق مرتين التوصية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية التي تقترح صيدلية واحدة لكل خمسة آلاف نسمة.
كما لاحظ المجلس وجود تركز جغرافي واضح للصيدليات في الوسط الحضري، خاصة بمحوري الدار البيضاء سطات والرباط القنيطرة، حيث تتمركز نحو خمسة وأربعين في المائة من مجموع الصيدليات على المستوى الوطني.
وفي المقابل، يشهد القطاع ارتفاعا مستمرا في عدد خريجي كليات الصيدلة، إذ بلغ عدد الصيادلة الجدد سنة 2024 نحو تسعمائة وعشرة خريجين، مقابل مئتين وسبعة وتسعين فقط سنة 2016، ما يساهم في رفع الكثافة الصيدلية إلى حوالي ثمانية وثلاثين فاصلة أربعة صيدلي لكل مئة ألف نسمة، وهو مستوى يفوق متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
ورغم غياب معطيات رسمية دقيقة بشأن عدد الصيدليات التي أغلقت أبوابها، فإن مهنيين في القطاع يشيرون، بحسب ما أورده المجلس، إلى أن نحو أربعة آلاف صيدلي يواجهون صعوبات مالية قد تقودهم إلى الإفلاس.
ويرى مجلس المنافسة أن النموذج التنظيمي الحالي للصيدليات يطرح عدة قيود اقتصادية، في ظل هيمنة نمط الاستغلال الفردي، حيث يجمع الصيدلي بين مهام متعددة تشمل التسيير المالي والإداري وتقديم الخدمة الصيدلية في الوقت نفسه. كما يواجه القطاع صعوبات في الولوج إلى التمويل وضعفا في القدرة على توظيف صيادلة مساعدين، رغم الارتفاع السنوي في عدد الخريجين، وهو ما يدفع عددا كبيرا من الشباب إلى اختيار فتح صيدليات باعتباره المسار الرئيسي للاندماج المهني.
وأشار المجلس أيضا إلى أن استهلاك الأدوية في المغرب يبلغ في المتوسط نحو ستمائة وأربعين درهما للفرد سنويا، مع استمرار حصر ملكية الصيدليات في الصيادلة ومنع أي تحكم لغير الصيادلة في هذا النشاط.
وعند مقارنة النموذج المغربي بتجارب دولية، أبرز المجلس أن عددا من الدول اتجه إلى توسيع مهام الصيدليات لتشمل خدمات صحية إضافية مثل الوقاية والتلقيح والكشف المبكر ومتابعة العلاج، ما جعل الخدمات الصيدلية والأتعاب المهنية تمثل ما بين عشرين وأربعين في المائة من مداخيل الصيدليات. ويعني ذلك الانتقال من نموذج يعتمد أساسا على بيع الأدوية إلى نموذج يثمن الفعل الصيدلي والخدمات الصحية المرتبطة به، وهو توجه يرى المجلس أنه قد يكون ملائما للسياق المغربي، خاصة في ظل ارتباط مداخيل الصيادلة بشكل كبير بسعر بيع الأدوية.
وفي ضوء هذا التشخيص، أوصى مجلس المنافسة بجملة من الإجراءات، من بينها تعزيز تنظيم توزيع الأدوية من خلال تأطير صرفها داخل المصحات الخاصة وحصره في حالات الطوارئ والمرضى المقيمين. كما دعا إلى إحداث آلية وطنية للدعم المالي لقطاع توزيع الأدوية، وإطلاق عملية إعادة هيكلة تدريجية ومؤطرة لشبكة الصيدليات بهدف تحسين استدامة النموذج الاقتصادي للقطاع.
وشدد المجلس أيضا على ضرورة إدراج مسألة إعادة تنظيم شبكة الصيدليات ضمن النقاش العمومي باعتبارها رافعة لتحسين الجدوى الاقتصادية للصيادلة، مع تنفيذ الإصلاحات بشكل تدريجي يواكبه تكييف للإطار القانوني والتنظيمي. وفي السياق ذاته، اعتبر أن فتح رأسمال الصيدليات بشكل مؤطر أمام الاستثمارات الخاصة قد يشكل أحد الخيارات الممكنة لدعم تحول القطاع وتحديثه في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجه حلقة التوزيع بالتقسيط داخل سوق الأدوية في المغرب.