نبه تقرير حديث للبنك الدولي بعنوان “النمو والوظائف من أجل مغرب مزدهر” إلى وجود فجوة واضحة بين الأهداف الاقتصادية التي حددها النموذج التنموي الجديد وبين واقع السوق والسياسات الحالية، معتبرا أن بلوغ تلك الأهداف يظل صعبا في ظل استمرار الاختلالات البنيوية التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
وأوضح التقرير أن المغرب تمكن، بفضل الاستقرار السياسي واعتماد سياسات اقتصادية منضبطة، من بناء أسس اقتصاد حديث ومتعدد القطاعات، مع توسع سريع للبنيات التحتية وظهور صناعات موجهة للتصدير وتحسن نسبي في مستويات العيش، غير أن هذه المكتسبات لم تنجح في معالجة واحدة من أبرز الإشكالات، والمتمثلة في ضعف القدرة على خلق فرص شغل كافية تستوعب تزايد عدد السكان النشيطين.
وسجل التقرير أن المغرب فقد، ما بين سنتي ألفين وألفين وأربعة وعشرين، ما معدله مائتان وخمسة عشر ألف منصب شغل سنويا مقارنة بالحاجيات الفعلية للحفاظ على استقرار معدل التوظيف، قبل أن يتفاقم الوضع خلال الفترة الممتدة بين ألفين وعشرين وألفين وأربعة وعشرين، حيث ارتفع العجز إلى نحو ثلاثمائة وسبعين ألف وظيفة سنويا، رغم دخول الاقتصاد مرحلة جديدة من النمو الأقوى.
وأشار البنك الدولي إلى أن معدلات الاستثمار في المغرب، التي تقارب ثلاثين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تعد من بين الأعلى عالميا، إلا أن هذا الاستثمار لم ينعكس بنفس القوة على الإنتاجية أو على خلق فرص الشغل، إذ يواصل الاقتصاد إضافة رؤوس أموال دون تحقيق رفع كاف في القدرة الإنتاجية للقوى العاملة.
ومن بين أبرز الاختلالات التي رصدها التقرير، هيمنة الشركات العمومية على قطاعات واسعة من الاقتصاد، ما يؤثر سلبا على دينامية الإنتاجية والمنافسة. وأوضح أن اقتراض هذه الشركات يستحوذ على جزء مهم من المدخرات المحلية، الأمر الذي يقلص التمويل المتاح لفائدة المقاولات الخاصة، خاصة الناشئة والمبتكرة منها.
كما توقف التقرير عند مفارقة وصفها بالكبيرة، تتمثل في وجود عدد مرتفع من الشركات دون أن ينعكس ذلك على حجم فرص العمل. فالمغرب يضم حوالي ثلاثمائة وثلاثة وستين ألف شركة مصرح بها، غير أن أغلبها شركات صغيرة جدا تشتغل في أنشطة محدودة التأثير مثل البيع بالتجزئة والبناء، ما يحد من قدرتها على خلق وظائف مستقرة.
وأضاف التقرير أن أكثر من ثلثي العاملين يشتغلون بدون عقود رسمية، بينما تعتمد حتى الشركات الرسمية على التوظيف غير المهيكل لنحو نصف اليد العاملة لديها، وهو ما يعكس هشاشة سوق الشغل وضعف مساهمة القطاع الخاص في خلق وظائف منتجة ومستقرة.
وسجل البنك الدولي أن الشركات المغربية تنمو بوتيرة بطيئة، كما أن ضعف التطور التكنولوجي وقلة المنافسة في عدد من القطاعات بسبب تدخل الدولة يؤديان إلى تقليص نمو إنتاجية القطاع الخاص بأكثر من النصف.
وفي ما يتعلق بسوق الشغل، أشار التقرير إلى أن مشكل البطالة لا يرتبط فقط بندرة الوظائف، بل أيضا بعزوف عدد متزايد من الأشخاص في سن العمل عن البحث عن وظيفة، نتيجة تدني الأجور وعدم ملاءمة فرص العمل المتاحة، خاصة بالنسبة لحاملي الشهادات العليا الذين يرفض كثير منهم العمل في القطاع غير المهيكل ذي الأجور المنخفضة.
وانتقد التقرير كذلك تزايد ظاهرة اشتغال الخريجين في وظائف لا تتناسب مع مستواهم الدراسي، موضحا أن حوالي ثلاثة وأربعين في المائة من خريجي التعليم العالي يزاولون أعمالا أقل من مؤهلاتهم.
وفي العالم القروي، أكد البنك الدولي أن توالي سنوات الجفاف أدى إلى فقدان حوالي مليون ومائتي ألف فرصة عمل بين سنتي ألفين وخمسة عشر وألفين وأربعة وعشرين، ما تسبب في تسريع وتيرة نزوح العمال الزراعيين دون قدرة الاقتصاد على استيعابهم.
أما بخصوص النساء، فقد اعتبر التقرير أن المرأة تمثل أكبر مخزون غير مستغل من الرأسمال البشري في المغرب، مشيرا إلى أن نسبة مشاركتها في سوق الشغل تراجعت من ثمانية وعشرين في المائة سنة ألفين إلى تسعة عشر في المائة فقط سنة ألفين وأربعة وعشرين، في واحدة من أوسع الفجوات المسجلة عالميا مقارنة بالرجال.
ولتجاوز هذه التحديات، دعا البنك الدولي إلى اعتماد إصلاحات شاملة تقوم على تعزيز المنافسة وتكافؤ الفرص، وتقوية دينامية المقاولات، وتحسين فعالية الاستثمار العمومي، ورفع مشاركة النساء والشباب في سوق العمل.
كما أوصى بتوسيع صلاحيات مجلس المنافسة، وتسهيل ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، وإزالة العوائق الإدارية والضريبية التي تحد من نمو الشركات والتوظيف الرسمي، إلى جانب إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية وسوق الشغل.
وشدد التقرير على أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، من خلال تحسين جودة التعليم والتكوين وربطهما بحاجيات سوق الشغل، فضلا عن دعم إدماج الشباب والنساء عبر سياسات أكثر مرونة وفعالية.
وخلص البنك الدولي إلى أن تنفيذ إصلاحات منسقة وطموحة يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمغرب بنسبة سبعة عشر في المائة فوق التوقعات الحالية بحلول سنة ألفين وخمسة وثلاثين، مع إمكانية خلق أكثر من مليون وسبعمائة ألف وظيفة إضافية، ترتفع إلى مليونين ونصف مليون وظيفة في أفق ألفين وخمسين.