كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن منظومة تمويل التكوين المستمر في المغرب لا تصل إلى الغالبية الساحقة من المقاولات التي تساهم في تمويلها، محذرا من اختلالات هيكلية تحد من فعاليتها وتؤثر بشكل خاص على المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح المجلس، في تقرير حديث، أن نظام عقود التكوين الخاصة استفادت منه 1647 مقاولة فقط خلال سنة 2022، رغم أن نحو 315 ألف مقاولة تساهم في الضريبة المخصصة للتكوين المهني، ما يعني أن حوالي 0,5 في المائة فقط من المقاولات المؤهلة تمكنت فعليا من الاستفادة من هذه الآلية.
واعتبر التقرير أن هذا الرقم يعكس فجوة كبيرة بين آليات التمويل والأهداف التي أنشئت من أجلها، خصوصا في ظل التحديات التكنولوجية والتنافسية المتزايدة التي تواجهها المقاولات المغربية.
وأشار المجلس إلى أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة تعد الأكثر تضررا من الوضع الحالي، بسبب تعقيد المساطر الإدارية وطول آجال استرجاع المصاريف وضعف المواكبة وقلة الوعي بالبرامج المتاحة، إضافة إلى محدودية قدراتها المالية والتنظيمية مقارنة بالمقاولات الكبرى التي تتوفر غالبا على مصالح متخصصة في تدبير الموارد البشرية والتكوين.
وسجل التقرير أيضا وجود تفاوتات مجالية واضحة، إذ تركزت 86 في المائة من نفقات التكوين و82 في المائة من المقاولات المستفيدة خلال سنة 2022 في أربع جهات فقط هي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة وفاس-مكناس، ما قلص فرص الاستفادة بالنسبة للمقاولات الموجودة في باقي جهات المملكة.
كما لفت المجلس إلى محدودية العرض المتوفر، حيث لا يتجاوز عدد هيئات التكوين والاستشارة المعتمدة 82 هيئة على الصعيد الوطني، إلى جانب 327 خبيرا معتمدا، يتمركز أغلبهم بمدينة الدار البيضاء.
ورغم تسجيل تحسن نسبي خلال العقد الماضي، إذ ارتفع عدد المقاولات المستفيدة من 965 مقاولة سنة 2013 إلى 1647 مقاولة سنة 2022، كما ارتفعت النفقات السنوية من 116 مليون درهم إلى 246 مليون درهم خلال الفترة نفسها، فإن المجلس اعتبر أن الاستفادة ما تزال محصورة في عدد محدود من المقاولات والأجراء.
وسجل التقرير أيضا تأخرا في تنزيل مقتضيات القانون رقم 60.17 المتعلق بالتكوين المستمر، والذي اعتمد سنة 2018 بهدف توسيع الاستفادة لتشمل فئات جديدة من العاملين، من بينهم العاملون لحسابهم الخاص والمهنيون المستقلون والباحثون عن الشغل.
وفي ما يتعلق بآلية الاعتراف بالخبرة المهنية المكتسبة، أشار المجلس إلى أن عدد المستفيدين من هذا النظام لم يتجاوز 1488 شخصا منذ إطلاقه سنة 2008، معتبرا أن هذا الرقم يظل ضعيفا جدا بالنظر إلى أن نحو نصف الساكنة النشيطة بالمغرب لا تتوفر على مؤهلات أكاديمية رسمية.
ولتجاوز هذه الاختلالات، أوصى المجلس بإحداث هيئة وطنية مستقلة للتكوين المستمر والاعتراف بالكفاءات تتولى الإشراف على السياسات والتمويل ومنظومات الاعتماد والتصديق، إلى جانب تخصيص 30 في المائة من مداخيل ضريبة التكوين المهني لصندوق مستقل للتكوين المستمر.
كما دعا إلى رقمنة المساطر عبر منصة موحدة وتبسيط إجراءات الاستفادة وإقرار آليات تمويل كاملة لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما يضمن توسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأكد المجلس أن تطوير التكوين المستمر يشكل رافعة أساسية لتحسين إنتاجية العمال وتأهيل المقاولات لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى إقصاء شرائح واسعة من الأجراء والمقاولات من فرص التطور والتأهيل.