مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تطفو على السطح ظاهرة مقلقة باتت تشكل خطرا حقيقيا على نزاهة العملية الديمقراطية، تتمثل في ظهور أشخاص ينتحلون صفة صحفيين أو مدونين أو ناشطين جمعويين، ويستغلون بعض الصفحات والمنصات الرقمية لتحقيق مصالح شخصية ضيقة بعيدة كل البعد عن أخلاقيات المهنة والعمل المدني.
فبدل أن يكون الإعلام سلطة رقابية مسؤولة، والعمل الجمعوي قوة اقتراحية ومواطنة، يتحول عند البعض إلى وسيلة للضغط والابتزاز والتأثير غير المشروع على المرشحين، عبر حملات ممنهجة تستهدف هذا الطرف أو ذاك وفقا للمصالح والمنافع، وليس وفقا لمعايير الموضوعية أو خدمة الصالح العام.
وتكتسي انتخابات 2026 أهمية استثنائية في تاريخ المغرب، بالنظر إلى تزامنها مع مرحلة مفصلية تستعد فيها المملكة لاحتضان تظاهرات وأحداث دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، إلى جانب مواصلة تنزيل الأوراش الملكية الكبرى والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها البلاد. لذلك فإن هذه الانتخابات ليست مجرد تنافس سياسي عادي على المقاعد، بل محطة وطنية استراتيجية ستفرز نخبا ومؤسسات منتخبة ستكون مطالبة بمواكبة هذه التحولات الكبرى، وحسن تدبير مرحلة دقيقة من تاريخ المملكة، بما ينسجم مع طموحات المغاربة ومكانة المغرب المتنامية إقليميا ودوليا.
إن أخطر ما في ممارسات الابتزاز الانتخابي أنها تسيء إلى الصحافة الجادة وإلى الفاعلين الجمعويين الحقيقيين الذين يشتغلون بمهنية ونزاهة، كما تساهم في تشويه المسار الديمقراطي وإضعاف ثقة المواطنين في المؤسسات والانتخابات على حد سواء. فحين يتحول بعض منتحلي الصفات إلى سماسرة للمواقف ومروجي الإشاعات وبائعي الولاءات، فإنهم لا يضرون بمرشح أو حزب بعينه، بل يسيئون إلى صورة الديمقراطية برمتها.
ومن أجل تخليق الحياة السياسية، لا بد من مواجهة هذه السلوكيات بحزم وتطبيق القانون على كل من يستغل صفته أو منبره الإعلامي أو الجمعوي للابتزاز أو لتوجيه الناخبين بطرق غير مشروعة. فحرية التعبير لا تعني الفوضى، والعمل الإعلامي ليس غطاء للارتزاق السياسي، كما أن العمل الجمعوي ليس وسيلة لتصفية الحسابات أو تحقيق المكاسب الشخصية.
فالانتخابات استحقاق وطني بامتياز، يجب أن يسوده مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية والنزاهة، وأن يُترك فيه القرار النهائي للمواطن وحده، بعيدا عن الضغوط والمساومات والممارسات المشبوهة التي تسيء للديمقراطية ولمستقبل البلاد.
إن تخليق الحياة السياسية مسؤولية جماعية، تبدأ من احترام القانون وأخلاقيات الممارسة، وتنتهي بحماية الإرادة الحرة للناخبين من كل أشكال التأثير غير المشروع والابتزاز الانتخابي. فالمغرب وهو مقبل على استحقاقات سياسية كبرى وأحداث عالمية غير مسبوقة، يحتاج إلى منافسة شريفة بين البرامج والكفاءات، لا إلى معارك الابتزاز والتشهير وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية العليا.