في كرة القدم، هناك مباريات يتجاوز فيها التأهل مجرد العبور إلى الدور الموالي. مباريات تكشف شخصية الفريق، وصلابة مشروعه، وقدرته على الصمود عندما تبدو كل الظروف ضده. وفي مدينة مونتيري المكسيكية، منح المنتخب المغربي جماهيره واحدة من تلك الليالي التي ستظل راسخة في الذاكرة، بعدما انتزع بطاقة التأهل إلى دور الـ16 من كأس العالم إثر مواجهة مثيرة أمام المنتخب الهولندي.
أمام أحد أبرز منتخبات أوروبا، الذي يضم أسماء كبيرة ويملك خبرة طويلة في المنافسات العالمية، لم يفقد أسود الأطلس إيمانهم بقدرتهم على العودة في المباراة. وبينما كانت الدقائق الأخيرة توحي بأن الفرصة تتلاشى، وجد اللاعبون القوة الذهنية والبدنية لتسجيل هدف التعادل في الثواني الأخيرة من الوقت بدل الضائع، في مشهد جسد شخصية منتخب يرفض الاستسلام حتى صافرة النهاية.
ولم يكن التعادل سوى بداية لفصل جديد من الإصرار. ففي ركلات الترجيح، تعامل اللاعبون مع الضغط بثقة كبيرة، وتحمل كل واحد منهم مسؤوليته بهدوء وتركيز، ليحسم المغرب بطاقة العبور وسط فرحة عارمة اجتاحت الجماهير المغربية، التي أدركت أنها تعيش صفحة جديدة من تاريخ كرة القدم الوطنية.
ويحمل هذا الإنجاز بصمة الناخب الوطني محمد وهبي، الذي نجح منذ توليه قيادة المنتخب في بناء فريق منظم ومتوازن، يجمع بين الانضباط التكتيكي والشخصية القوية. وأرسى وهبي هوية واضحة لمنتخب لا يتراجع أمام الصعوبات، بل يواصل القتال حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما أصبح السمة الأبرز لأسود الأطلس.
كما يعكس هذا التأهل ثمار سنوات من العمل في مجال التكوين، وفي مقدمتها المشروع الذي تقوده أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي أسهمت في إعداد جيل جديد من اللاعبين يجمع بين الجودة التقنية، والانضباط، والجاهزية الذهنية. وأثبت هذا الجيل أن الاستثمار في التكوين قادر على صناعة منتخب ينافس باستمرار على أعلى المستويات.
ولم يعد المنتخب المغربي يدخل البطولات الكبرى بصفة "الحصان الأسود"، بل أصبح منافسا حقيقيا تفرض نتائجه واحترامه على الجميع. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال 2022، يواصل أسود الأطلس تأكيد أن مكانهم بات بين نخبة المنتخبات العالمية.
وفي مونتيري، بعث المنتخب المغربي برسالة جديدة إلى العالم مفادها أن الموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق الإنجازات، بل إن التضامن، والتضحية، والثقة المتبادلة، والإيمان حتى اللحظة الأخيرة، هي القيم التي تصنع الأبطال.
ويجسد هذا التأهل المسار الذي قطعته كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، بفضل مشروع متكامل يقوم على تطوير المواهب، وتعزيز التكوين، وبناء عقلية تنافسية لا تعرف الاستسلام. ويواصل أسود الأطلس كتابة تاريخ جديد للكرة المغربية، مؤكدين أن طموحاتهم لم تعد تقف عند حدود التأهل، بل أصبحت تمتد إلى منافسة أكبر المنتخبات على أعلى المراتب.