دعا وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، إلى جعل الفضاء الإفريقي الأطلسي فاعلا رئيسيا في حكامة المحيطات على الصعيد العالمي، مؤكدا أن الأمن البحري، والممرات اللوجستية الخضراء، والانتقال الطاقي المستدام، تمثل ركائز أساسية لبناء اندماج إفريقي قائم على التعاون العملي والمشاريع الملموسة.
وجاء ذلك في كلمة ألقاها نيابة عنه السفير المدير العام للوكالة المغربية للتعاون الدولي، محمد مثقال، خلال الاجتماع الوزاري السابع لمسلسل الدول الإفريقية الأطلسية المنعقد في مدينة كوتونو، حيث أكد أن الاجتماع يشكل مرحلة جديدة في مسار هذه الشراكة، مع الانتقال من بلورة الرؤى إلى تنفيذها ميدانيا.
وأوضح بوريطة أن إعلان كوتونو، المرتقب اعتماده في ختام الاجتماع، يعكس هذا التحول من خلال تحديد أولويات عملية تشمل الأمن البحري، والممرات اللوجستية الخضراء، والانتقال الطاقي المستدام، مبرزا أن الفضاء الإفريقي الأطلسي، رغم أهميته الجيوستراتيجية، ظل لفترة طويلة غير مستغل بالشكل الأمثل، وهو ما يستوجب تحويله إلى رافعة للسلام والاستقرار والازدهار المشترك، انسجاما مع المبادرة الملكية لفائدة الفضاء الإفريقي الأطلسي.
وأشار الوزير إلى أن نحو 90 في المائة من التجارة العالمية، بما يفوق 12 مليار طن من البضائع سنويا، تمر عبر البحر، بينما تعبر قرابة 30 في المائة منها ممرات استراتيجية تقع في إفريقيا أو محيطها، من بينها مضيق جبل طارق وخليج غينيا ورأس الرجاء الصالح وقناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز.
واعتبر أن أزمة مضيق هرمز سنة 2026 كشفت محدودية الآليات الدولية في الوقاية من الأزمات البحرية، بعدما أدت إلى تراجع حركة نقل النفط بنحو 70 في المائة، وارتفاع أسعار الطاقة العالمية بما بين 15 و25 في المائة، فضلا عن اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد أثرت بشكل مباشر على الأمن الغذائي في عدد من الدول الإفريقية.
وشدد بوريطة على أن من مسؤولية الدول الإفريقية الأطلسية الإسهام بفاعلية في حكامة الفضاءات والممرات البحرية الدولية، باعتبارها ملكا مشتركا للملاحة العالمية، محذرا من توظيفها كوسيلة للإكراه بما يشكله ذلك من تهديد للسلم والازدهار الدوليين.
وفي هذا السياق، استعرض الوزير المبادرات التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لفائدة القارة، وفي مقدمتها مبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يمتد على حوالي 6900 كيلومتر ويهم 13 دولة إفريقية باستثمارات تتراوح بين 25 و30 مليار دولار، معتبرا أنه يشكل مشروعا استراتيجيا لتعزيز الاندماج الإقليمي والسيادة الطاقية.
كما دعا إلى تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري من خلال تبادل المعلومات والمعطيات الاستخباراتية، وتطوير القدرات، وتنسيق الجهود لمواجهة القرصنة والصيد غير المشروع والجريمة العابرة للحدود والهجمات السيبرانية التي تستهدف البنيات التحتية المينائية والبحرية.
وأعلن، في هذا الإطار، أن وزارة العدل المغربية ستنظم خلال شهر شتنبر المقبل دورة لتعزيز القدرات لفائدة الدول الأعضاء في مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية، تركز على مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان.
وفي ما يتعلق بالاقتصاد الأزرق، أكد بوريطة أن إفريقيا لا تتوفر سوى على 5 في المائة من الطاقة الاستيعابية المينائية العالمية رغم أنها تضم 17 في المائة من سكان العالم، معتبرا أن رفع حصة القارة في التجارة البحرية العالمية بنسبة 5 في المائة فقط من شأنه أن يضيف نحو 900 مليار دولار إلى الاقتصادات الإفريقية.
ودعا إلى تطوير بنى تحتية مينائية حديثة وصديقة للبيئة، ورقمنة المساطر المينائية والجمركية، وتعزيز الربط بين دول العمق الإفريقي والموانئ الأطلسية، مستشهدا بميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي المرتقب باعتبارهما ركيزتين لهذا التوجه.
وبخصوص الانتقال الطاقي، جدد الوزير التزام المغرب بانتقال عادل وشامل، مبرزا أن القارة الإفريقية، رغم أنها لا تسهم سوى بـ4 في المائة من الانبعاثات العالمية، تتوفر على إمكانات هائلة في مجالات الطاقة الشمسية والريحية والكهرومائية، لكنها لا تستقطب سوى نحو 2 في المائة من الاستثمارات العالمية في الطاقات المتجددة.
وأكد أن المغرب، الذي استثمر أكثر من 8 مليارات دولار في قطاع الطاقات المتجددة ويطمح إلى رفع حصتها إلى 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، يظل مستعدا لتقاسم خبراته مع شركائه الأفارقة.
وفي ختام كلمته، دعا بوريطة إلى تكليف الأمانة الدائمة لمسلسل الدول الإفريقية الأطلسية بإعداد خارطة طريق عملية، تتضمن برامج ذات أولوية، وآجالا زمنية، ومؤشرات للتتبع، وآليات للتمويل، مؤكدا أن نجاح هذا المسلسل سيقاس بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة، ومجددا التزام المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمواصلة العمل من أجل ترسيخ فضاء إفريقي أطلسي يسوده السلام والحرية والازدهار المشترك.