الخميس، 29 أكتوبر 2026

ماذا لو كان لامين يامال لعب للمغرب؟


مع تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم لكرة القدم مساء الأحد المنصرم، بعد مباراة نجحت فيها كتيبة "لاروخا" بتحييد الخطورة الهجومية للمنتخب الأرجنتيني بقيادة أسطورته ليونيل ميسي، كان عدد من المشجعين المغاربة سعداء وهو يرون ابن جلدتهم لامين يامال نصراوي يرفع أهم لقب في مسابقات كرة القدم وهو ما يزال في التاسعة عشر من عمره.

البعض الآخر عاوده ولربما الشعور بالحسرة على ضياع موهبة عالمية فذة مثل لامين يامال بعدما اختارت تمثيل "لاروخا" على حساب أسود الأطلس. في قرارة أنفسهم كان السؤال يتردد: ماذا لو لعب الفتى المنحدر من القصر الكبير للمنتخب المغربي؟ هل كان بإمكان أسود الأطلس أن يكونوا اليوم مكان "لاروخا" على منصة التتويج بالكأس الغالية؟

بين العقل والقلب

من سخرية القدر أن يعيد مشهد تتويج لامين يامال بكأس العالم مع المنتخب الإسباني مقطع الفيديو الشهير الذي ظهر فيه قبل أربع سنوات وهو يحتفل بانتصار أسود الأطلس على "لاروخا" في ثمن نهائي كأس العالم 2022. مقطع الفيديو ذاك كان دليلا كافيا للبعض أن قرار لامين يامال بتمثيل المنتخب الإسباني فيما بعد جاء إثر ضغوطات مارستها الجامعة الإسبانية لكرة القدم وناديه إف سي برشلونة. هذه القناعة لم تتزحزح حتى لو كان الناخب الوطني المغربي السابق، وليد الركراكي، صرّح بأن يامال أخبره بأنه يشعر بأنه إسباني ويرغب في تمثيل إسبانيا.

هذا النقاش يعيد أيضا للواجهة ثنائية "العقل والقلب" التي يتم استحضارها في كل مرة تكون هناك موهبة مغربية أوروبية من مزدوجي الجنسية، ممن تثير اهتمام الجامعة المغربية لكرة القدم وجامعة البلد الأوروبي الذي ولدت أو نشأت فيه.

لطالما كان مغاربة المهجر من لاعبي كرة القدم يبرّرون اختيارهم لتمثيل المغرب بأنه "اختيار للقلب". في المقابل، فإن غيرهم ممن مثلّوا بلدانا أوروبية، مثل عادل رامي مع فرنسا، وإبراهيم أفلاي مع هولندا ومروان فلايني مع بلجيكا والآن لامين يامال مع إسبانيا، كان اختيارهم حسب هذا المنظور "اختيارا للعقل" لأنه الأنسب لمسيرتهم الكروية بغض النظر عن مشاعر الحب التي يكنونها لبلدهم الأصلي المغرب.

المفارقة هي أن هذا النقاش يبدو بدوره غير عقلاني، ويحتاج إلى الكثير من النسبية، وتسليط الضوء على الجوانب المسكوت عنها. فمن جهة تفترض هذه الثنائية أن كل لاعبي المهجر الذين اختاروا المغرب كانت لديهم فرصة اللعب لمنتخبات البلدان الأوروبية التي ترعرعوا فيها، والحال هو غير ذلك. إذا لم يكن المنتخب المغربي في قيمة نظيره الإسباني أو الفرنسي، أو حتى البلجيكي والهولندي قبل عشر سنوات مثلا، إلّا أنه منح عددا من اللاعبين من هذه البلدان صفة اللاعب الدولي، وإمكانية المشاركة في مسابقات قارية ودولية مثل كأس إفريقيا وكأس العالم.

وبالتالي، فإن اختيار تمثيل المغرب هو أيضا اختيار عقلاني لعدد من هؤلاء اللاعبين، خاصة مع تطور مستوى أسود الأطلس مؤخرا، وقدرتهم على الوصول إلى أدوار متقدمة في بطولات كبرى في فئات مختلفة.

من جهة أخرى، يلغي مثل هذا النقاش حقيقة أن لاعبي المهجر لديهم أيضا ارتباط وجداني ببلدانهم الأوروبية، ومنهم من نشأ وحلمه هو أن يلعب لإسبانيا أو فرنسا ولم يغّير قراره إلّا بعد أن يئس من إمكانية تحقيق ذلك كما هو الحال مع لاعبين حاليين وسابقين للمنتخب المغربي مثل منير إبراهيم دياز وعيسى ديوب ومنير الحدادي وسفيان بوفال وغيرهم.

السخط والرضى

مما أعادته مشاهد تتويج لامين يامال بلقب كأس العالم مع إسبانيا إلى الأذهان أيضا تصريح رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، قبل أسابيع لقناة الجزيرة بأنه يتمنى أن يواجه المنتخب المغربي نظيره الإسباني في مباراة نهائية لكي نظهر لنجم برشلونة بأنه أخطأ الاختيار في تفضيله لمنتخب "لاروخا" على حساب أسود الأطلس.

يُحسب لرئيس الجامعة المغربية طموحه الكبير ورفعه لسقف التحدي، ولولا ذلك الطموح ما كان للجمهور المغربي لأن يحلم بأن يرى منتخبه يصل إلى نصف نهائي كأس العالم للكبار، ويتوج بلقب المسابقة لما دون العشرين سنة ويحصد أكثر من لقب قاري وعربي في ظرف سنوات قليلة.

لكن، من الجيد أن يواكب الطموح الكبير الذي يحمله رئيس الجامعة وطيف واسع من الجمهور المغربي قدر وافر من الواقعية والتواضع، ومعرفة أن الطريق ما تزال أمامنا طويلة للقول بأننا اقتربنا من مستوى أمم رائدة في كرة القدم مثل إسبانيا وفرنسا.

وأهم مؤشر على هذه الفجوة التي ما تزال عميقة هو أننا كنا نتصارع مع إسبانيا على ضم موهبة كروية هي لامين يامال ولدت وترعرعت وصقلت مهاراتها الكروية في إسبانيا.

ما نزال في بداية المشوار في التكوين الرياضي وما تزال منتخباتنا الوطنية بمختلف فئاتها تعتمد بشكل جزئي أو شبه كلي على المواهب التي نشأت في أوروبا. ما نزال نعتمد في سياستنا الكروية على إقناع مواهب تلقت تكوينها في الأكاديميات والأندية الأوروبية واستمالة عائلاتهم وتوظيف حسّهم الوطني وتعلقهم بتراب بلدهم من أجل بناء منتخباتنا الوطنية.

لذلك، يبدو من المنطقي أنه ما دمنا في سياسة "ها السخط ها الرضى" كما تقول العبارة الشعبية المغربية، وما دمنا غير قادرين على تكوين لاعبين بمستوى عالمي داخل المغرب وأكاديمياته، بحيث لا يكون أمامهم سوى اختيار واحد هو أسود الأطلس، وما دمنا لم نصل إلى فرض السيطرة إفريقيا والمنافسة على لقب كأس العالم، لا يمكننا القول إننا التحقنا بركب كبرى الأمم الكروية.