الخميس، 29 أكتوبر 2026

الهربة لمن استطاع


 
 

"الهربة لمن استطاع" عبارة لطالما ترددت على الألسن في نقاشاتنا كتعبير عن الحل الأمثل لما يعيشه مجتمعنا من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية

إن هذه العبارة تحمل دلالات عميقة لما يجول في العقل الجمعي لجزء كبيرمن المغاربة من مختلف الأعمار، وهو ما ظهر جليا من خلال الأحداث المؤسفة التي عاشتها مدينة سبتة السليبة خلال الأيام الماضية.

صحيح أن هناك منجزات عديدة على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى تطوير البنيات التحتية وكذلك على مستوى كرة القدم، وهناك اهتمام متزايد من الدولة بالقطاعات الاجتماعية من قبيل التعليم والصحة والحمايةالاجتماعية. إلا أن هناك إخفاقات كبرى على مستويات أخرى متعددة منها:

تراجع منظومة القيم والوقوع فيما يمكن تسميته ب"فجوة القيم'' حيث تأخذ القيم التقليدية في التراجع دون أن يتم تعويضها بأخرى حديثة تلعب نفس الدور. مثلا كان يلعب الخضوع والخوف من سلطة الوالدين ومن سلطة المعلم ومن سلطة الدولة دورا في الردع، بينما اليوم زال الخوف ولم يتم تعويضه بالاحتكام لسلطة القانون في إطار ديمقراطي.

انسداد الأفق السياسي وعدم قدرة الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات على إفراز نخب تمثل الطبقات الشعبية حقيقة وتدافع عنها، وتساهم في تنزيل السياسات العمومية الكفيلة بالإجابةعلى آلامها وآمالها، كما يسجل تراجعأدوار هذه الهيئات في القيام بعملية التأطير السياسيوالمدني للمواطنين وخاصة الشباب منهم.

التشغيل وارتفاع البطالة وعدم تناسب التعليم مع متطلبات سوق الشغل، وعدم تناسب الأجور مع الحاجيات المتزايدة للمواطنين ومع الغلاء المتزايد.

طغيان النموذج الاقتصادي القائم على الاستهلاك، وتكريس الفوارق في الولوج إلى الحاجيات (الأساسية والكمالية على حد سواء) بين المواطنين. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إبراز هذه الفوارق والترويج لنمط حياة مثالي يعيشه البعض في مقابل نمط حياة يرى الغالبية أنهم يعيشونه بئيسا.

ضعف جودة التعليم وتعدد البرامج وغياب استراتيجية بعيدة المدى في القطاع، حيث يتم إحداث تغييرات على السياسات والبرامج باستمرار ليس فقط بين ولاية حكومية وأخرى، ولكن أيضا على مستوى الولاية الواحدة بعد تغيير الوزير الوصي على القطاع.

تراجع منسوب الحريات في الفضاء العمومي وفي الصحافة، وتزايد مظاهر الفساد والرشوة في المجتمع، وكذا حالات تضارب المصالح بالنسبة للفاعلين السياسيين والاقتصاديين، دون أن يكون للقضاء دور فعال في تحصين الحريات ومحاربة مظاهر الفساد وتضارب المصالح.

لقد تحول اليوم الخلاص من كل هذا وذاك بالنسبة للكثير من المواطنين وكثير من الشباب على الخصوص، فرديا لا جماعيا. فلا أحد منهم أصبح يؤمن أن التغيير يمكن أن يتم من خلال المؤسسات: أحزابا وجمعيات ونقابات، حكومة وبرلمانا وقضاءا. الحل الوحيد المتبقي في هذه الحالة هو الهجرة فرادى وحتى جماعات إلى فضاءات أخرى.

قد نتفق أو نختلف إن كانت هذه الفضاءات جنات حقيقية لأنها هي أيضا في الواقع لها ما لها وعليها ما عليها، لكن عموما فهي في المخيال الجمعي تعتبر خلاصا من كل السلبيات الموجودة هنا.

أتذكر جيدا أنني عندما عدت قبل تسع سنوات من زيارة لمدة ثلاثة أسابيع إلى الولايات المتحدة في إطار برنامج للتبادل، كان العتاب المشترك للعديد من أصدقائي، لماذا عدت ولم تبق هناك؟ لقد كانت بالنسبة لهم خلاصا أن أبقى هناك رغم خيانة ثقة الجهة التي أرسلتني على سبيل العودة محملا بالتجربة، وترك وظيفة مستقرة هنا، وكذا ترك أسرة وعائلة لمدة غير محددة وراء ظهري، والمكوث بشكل غير شرعي وبدون وظيفة مضمونة.

كنت أعتقد أنه مع مرور الوقت ومع التقدم الحاصل في البلاد سوف تتغير هذه الرؤية وهاته العقليات، لكنني أتفاجأ اليوم أن الهربة أصبحت مسعى جمعيا لم تفلح معه سياسات ولا برامج ولا إجراءات، ولن يفلح معه إلا وقفات تغيير إيجابي حقيقية، لكي لا تتحقق المقولة الأخرى ''اللخر فينا يطفي الضو''