الجمعة، 30 أكتوبر 2026

مقترح فرض 20 ألف درهم سنويا على الدكتوراه للموظفين يثير جدلا واسعا في المغرب


أثار مقترح فرض رسوم سنوية بقيمة 20 ألف درهم على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة الدراسة بسلك الدكتوراه بالتوقيت الميسر في الجامعات العمومية المغربية، موجة متصاعدة من الانتقادات في صفوف برلمانيين وحقوقيين وتنظيمات طلابية، حذروا من أن الإجراء قد يجعل الولوج إلى التعليم العالي رهينا بالقدرة المالية بدل الاستحقاق الأكاديمي.

ويدعم وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، توصية صادرة عن ندوة رؤساء الجامعات المغربية تقضي بتوحيد رسوم التسجيل في مسار الدكتوراه بالتوقيت الميسر عند 20 ألف درهم سنويا خلال السنوات الأربع الأولى.

ولم يعتمد المقترح بعد بصورة نهائية على الصعيد الوطني، إذ يظل تفعيله رهينا بموافقة مجالس الجامعات، إلى جانب إصدار نصوص تنظيمية تحدد شروط تطبيقه وقواعد الولوج إلى هذا المسار.

وفي حال اعتماده، ستصل الكلفة الإجمالية لأربع سنوات من الدراسة إلى 80 ألف درهم، بالنسبة إلى الموظفين في القطاعين العام والخاص الراغبين في إنجاز أبحاث الدكتوراه بالتوازي مع استمرارهم في العمل.

وبررت الوزارة الرسوم المقترحة بالكلفة الإضافية التي يتطلبها تنظيم مسارات الدكتوراه خارج التوقيت الجامعي العادي، بما في ذلك خلال عطلة نهاية الأسبوع، وما يستدعيه ذلك من تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية وموظفي الأمن والنظافة، إلى جانب توفير القاعات والتجهيزات والخدمات اللوجستية.

وتضيف الوزارة أن التأطير في سلك الدكتوراه لا يقتصر على التدريس داخل القاعات، بل يتطلب اجتماعات منتظمة بين الباحث والمشرف، وتتبع تقدم البحث، وضمان إنتاج أعمال علمية أصيلة تسهم في تطوير المعرفة ومعالجة الإشكالات التي ما تزال مطروحة في مختلف التخصصات.

كما ترى أن الرفع من مستوى التأطير العلمي يشكل شرطا لتحسين جودة البحث الجامعي ومكانة الجامعات المغربية، بالنظر إلى أن تقييم المؤسسات الجامعية دوليا يرتبط أيضا بحجم وجودة إنتاجها العلمي.

ومن المرتقب أن تستند الوزارة في تنظيم هذا المسار إلى القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، على أن تحدد النصوص التطبيقية شروط القبول والتأطير والعدد الأقصى لطلبة الدكتوراه الذين يمكن أن يشرف عليهم كل أستاذ.

وتسعى الوزارة أيضا إلى تفادي هيمنة الموظفين والأجراء على بعض مسارات الدكتوراه على حساب الباحثين الشباب المتفرغين، إذ تشير تقديرات المصدر الوزاري إلى أن الموظفين يمثلون ما بين 40 و50 في المائة من المسجلين حاليا في سلك الدكتوراه.

وبحسب التوجه المقترح، ستمنح الأولوية للباحثين المتفرغين، مع الإبقاء على إمكانية ولوج الموظفين إلى الدكتوراه ضمن شروط أكثر تنظيما وتدقيقا.

ورفضت الوزارة اعتبار مبلغ 20 ألف درهم غير قابل للتحمل بالنسبة إلى عموم الفئة المستهدفة، معتبرة أن عددا من المرشحين ينتمون إلى فئات مهنية راكمت سنوات من الخبرة، من بينها المهندسون والأطر وحاملو الشهادات العليا العاملون في القطاعين العام والخاص. كما قارنت الرسوم المقترحة بتكاليف الدراسة في الجامعات الخاصة، التي قد تتجاوز 100 ألف درهم سنويا في بعض المسارات.

غير أن هذه المبررات لم تخفف من حدة الانتقادات الموجهة إلى المشروع، خصوصا ما يتعلق بتأثيره المحتمل على مبدأ تكافؤ الفرص والحق في الولوج إلى التعليم العالي العمومي.

وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالا كتابيا إلى وزير التعليم العالي، طالبت فيه بتوضيح الأساس القانوني الذي ستعتمد عليه الجامعات لفرض هذه الرسوم، ومدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحق في التعليم.

واعتبرت التامني أن الرسوم المتداولة، التي تتراوح بين 20 و30 ألف درهم، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراء مالي، بالنظر إلى تداعياتها الاجتماعية والسياسية المباشرة.

وحذرت من أن هذه المبالغ تعادل أجور عدة أشهر بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر المغربية، وقد تجعل الولوج إلى سلكي الماستر والدكتوراه مرتبطا بالقدرة على الأداء بدل الكفاءة والاستحقاق الأكاديمي.

وتتحدث معطيات متداولة بين الطلبة أيضا عن رسوم تصل إلى خمسة آلاف درهم في بعض مسارات الإجازة و15 ألف درهم سنويا في الماستر، أي 30 ألف درهم خلال سنتين، في حين تركز المعطيات الوزارية المتاحة على توحيد رسوم الدكتوراه بالتوقيت الميسر عند 20 ألف درهم سنويا.

وأثارت التامني كذلك إشكالية تطبيق الرسوم على طلبة سبق لهم التسجيل في ظل شروط مختلفة، معتبرة أن فرض التزامات مالية جديدة عليهم قد يطرح إشكالات قانونية ودستورية تتعلق بعدم رجعية القوانين والأمن القانوني والثقة المشروعة في المؤسسات العمومية.

وطالبت بتعليق الرسوم إلى حين فتح نقاش وطني بشأنها، وإعفاء الطلبة المسجلين سابقا من أي تطبيق بأثر رجعي، إلى جانب اعتماد جداول زمنية مرنة وإعفاءات تستند إلى الوضعية الاجتماعية للموظفين والأجراء.

ووصل الجدل أيضا إلى مجلس المستشارين، حيث وجه خالد السطي، ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، سؤالا إلى وزير التعليم العالي بشأن حقيقة الرسوم المتداولة والإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لحماية مبدأ المساواة في الولوج إلى الدراسات العليا.

وقال السطي إنه تلقى شكاوى من طلبة وموظفين بشأن رسوم تتراوح بين 15 و20 ألف درهم، محذرا من أنها قد تعمق الفوارق الاجتماعية وتدفع المنحدرين من أوساط محدودة الدخل إلى التخلي عن مسارهم الأكاديمي.

من جانبه، اعتبر المحامي ورئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، نوفل البعمري، أن كل إجراء يجعل الوضع الاجتماعي أو القدرة المالية عائقا أمام مواصلة الدراسة يثير مخاوف جدية بشأن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

واستند البعمري إلى الفصل 31 من الدستور، الذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين على قدم المساواة من الحق في تعليم عصري وميسر الولوج وذي جودة.

كما أشار إلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تنص على ضرورة إتاحة التعليم العالي على أساس الكفاءة والاستحقاق، وليس القدرة على تحمل تكاليفه.

بدورها، أعلنت التنسيقية الوطنية للطلبة الموظفين والأجراء رفضها القاطع للرسوم المقترحة، مؤكدة أنها ستقاطع أداءها ما لم تتم مراجعتها.

واعتبرت التنسيقية أن توحيد الرسوم يتجاهل التفاوت الكبير في الأجور والدخول بين مختلف فئات الموظفين والأجراء، ويفرض أعباء مالية غير مبررة على الراغبين في تطوير مؤهلاتهم مع الاستمرار في الوفاء بالتزاماتهم المهنية.

وطالبت الوزارة بالكشف عن الأسس القانونية والمالية والاجتماعية التي استندت إليها في تحديد المبالغ المقترحة، وفتح مشاورات مع ممثلي الطلبة العاملين قبل اعتماد أي صيغة نهائية.

كما دعت إلى إقرار نظام يراعي القدرة الشرائية للمترشحين، ويحمي حقهم في التكوين المستمر دون تمييز أو إقصاء.

ويثير تنظيم حصص الدراسة بدوره خلافا إضافيا، إذ يقول منتقدو المشروع إن بعض الموظفين سيطلب منهم أداء رسوم إضافية، في وقت تظل فيه المحاضرات والامتحانات ومناقشة الأطروحات مبرمجة خلال ساعات العمل العادية، مما يصعب عليهم التوفيق بين التزاماتهم المهنية والأكاديمية.

وتتمسك الوزارة بأن تنظيم الدكتوراه بالتوقيت الميسر أصبح ضروريا لتحسين جودة البحث العلمي، وتعزيز التأطير الأكاديمي، وحماية قيمة شهادة الدكتوراه.

في المقابل، يرى منتقدو المشروع أن إصلاح سلك الدكتوراه لا ينبغي أن يتم عبر تحميل الطلبة كلفة الرفع من جودة التأطير، دون إقرار إعفاءات اجتماعية ومعايير مرتبطة بالدخل، وبرمجة زمنية مرنة، وضمانات قانونية واضحة.

وسيظل المقترح موضوع نقاش إلى حين حسم مجالس الجامعات في اعتماده، وإصدار الحكومة النصوص التنظيمية التي ستحدد شروط الولوج والرسوم وقواعد التأطير والإعفاءات المحتملة.