الجمعة، 30 أكتوبر 2026

متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس يوثق أكثر من 2500 سنة من الحضور اليهودي بالمملكة


افتتح بمدينة فاس متحف الثقافة اليهودية المغربية، في فضاء يقع بقلب الملاح، بهدف حفظ ونقل جزء من الذاكرة الوطنية المرتبطة بأكثر من 2500 سنة من الحضور اليهودي في المغرب.

ويقدم المتحف مسارا يمتد عبر مختلف أبعاد الثقافة اليهودية المغربية، الدينية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية والفنية، مع إبراز إسهام هذا المكون في تشكيل التنوع الذي ميز المجتمع المغربي، والعلاقات التي نسجت تاريخيا بين اليهود والمسلمين بالمملكة.

ويندرج المشروع ضمن رؤية تروم صون مختلف مكونات الهوية المغربية وتثمينها، فيما كانت أشغال إنجاز المتحف قد انطلقت خلال زيارة الملك محمد السادس إلى فاس في أبريل 2019، في إطار برنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة.

ويكتسي موقع المتحف داخل ملاح فاس دلالة خاصة، بالنظر إلى أن هذا الحي، الذي تأسس سنة 1438، يعد من أقدم فضاءات الحياة اليهودية المنظمة في المغرب.

ويمتد المبنى على مساحة تفوق 1700 متر مربع، وأنجزته وكالة تنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس. ويجمع تصميمه بين وظيفة المتحف ومظاهر الصناعة التقليدية المغربية، من الزليج والجبص المنقوش والخشب المصبوغ، حول فناء تتوسطه نافورة رخامية.

ويمتد المعرض الدائم على طابقين، ويقود الزائر عبر محطات مختلفة من تاريخ اليهود في المغرب، من أقدم الشهادات التاريخية إلى العصر الحديث، مرورا بتأسيس ملاح فاس ووصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492.

ويضم المسار وثائق وأرشيفا وكتبا ومخطوطات نادرة ومواد سمعية بصرية، إلى جانب التعريف بالمؤسسات التي نظمت الحياة الجماعية، من معابد ومدارس عبرية ومحاكم حاخامية، فضلا عن شخصيات دينية وفكرية أسهمت في نقل المعرفة.

وفي الطابق العلوي، يعرض المتحف جوانب من الحياة اليومية والعائلية، من الولادة إلى الزواج والوفاة، عبر أزياء وحلي ومخطوطات وأدوات طقوسية وأغراض أسرية تعكس تنوع تقاليد الجماعات اليهودية بالمغرب.

كما يحتل التقويم العبري والاحتفالات الدينية والعادات العائلية والتعبيرات الموسيقية مكانة مهمة داخل العرض، إلى جانب إبراز المهن التقليدية، خصوصا صناعة الحلي، من خلال إعادة تشكيل ورشة لصائغ وعرض قطع فضية وأزياء جهوية وآلات موسيقية.

ولا يقتصر دور المتحف على حفظ المقتنيات، إذ يعتمد تجهيزات رقمية وسمعية بصرية وفضاءات للأنشطة التربوية والورشات، بهدف تقريب هذا التاريخ من فئات مختلفة، خصوصا الأجيال الشابة والمجموعات المدرسية.

وشارك في بلورة المشروع أفراد ومؤسسات من الطائفة اليهودية المغربية، من بينهم سيرج بيرديغو، رئيس مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، الذي اعتبر أن التجربة المغربية يمكن أن تشكل مصدر إلهام في مجال التعايش والحوار.

من جانبه، وصف رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، مهدي قطبي، المتحف بأنه "نشيد للسلام والأخوة والتعايش والعيش المشترك"، في إطار رؤية تتجاوز حفظ المجموعات نحو تعزيز التقارب بين الثقافات ونقل قيم التسامح.

ويقع متحف الفنون الإسلامية، الذي افتتح بقصر البطحاء سنة 2025، على بعد نحو مئة متر من المتحف الجديد، بما يخلق تقاربا بين مؤسستين تعرضان جوانب مختلفة من التاريخ والثقافة المغربيين.

ويقدم المتحف، من خلال توثيق أكثر من 2500 سنة من الحضور اليهودي في المغرب، قراءة للهوية الوطنية باعتبارها حصيلة لتعدد مكوناتها وتفاعلها عبر القرون.