الخميس، 29 أكتوبر 2026

عبد اللطيف نحيلة على رأس المركز الثقافي بسيدي قاسم… مسار شاب يربط الثقافة برهانات التنمية الجهوية


من الثانوية العسكرية الملكية الأولى إلى المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، ومن إدارة المهرجانات إلى التكوين في بروكسيل، راكم عبد اللطيف نحيلة تجربة يعود بها اليوم إلى سيدي قاسم، مدينته التي شهدت بداياته الفنية، لتولي إدارة مركزها الثقافي الجديد.

فقد عُيّن الفنان والمخرج والمنتج أول مدير لهذه المؤسسة التابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، في مرحلة الاستعداد لافتتاحها أمام العموم. وتضعه هذه المسؤولية أمام ورش تأسيسي يجمع بين إعداد البرامج، وبناء الشراكات، واستقطاب الجمهور، وفتح المجال أمام شباب المدينة ومبدعيها للاستفادة من مرافق المركز وأنشطته.

ويأتي هذا التعيين في وقت يتزايد فيه الاهتمام بدور المؤسسات الثقافية في التنمية الترابية، وقدرتها على تقريب التكوين والممارسة الفنية من السكان، وتوفير فرص للمواهب داخل مدنها، في صلة برهانات الجهوية المتقدمة وتثمين الكفاءات المحلية.

تكوين عسكري وفني وخبرة في المهرجانات

تابع نحيلة دراسته بالثانوية العسكرية الملكية الأولى، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط. وفي مساره الفني، اشتغل بالتمثيل والإخراج والإنتاج، وخصص بحث تخرجه للمسرح الوثائقي ومسرحة التاريخ، متخذاً من تاريخ السلالة العلوية نموذجاً لدراسة العلاقة بين المادة التاريخية والبناء الدرامي والذاكرة الجماعية.

ومع انتقاله بين الخشبة وكواليس التنظيم، توسعت مسؤولياته لتشمل الإدارة الفنية وهندسة المشاريع الثقافية والتواصل المؤسساتي. فتولى الإدارة الفنية للمهرجان الدولي لمسرح الطفل، المنظم تحت رعاية الملك محمد السادس، كما تولى إدارة البروتوكول والمراسم وإخراج حفلي الافتتاح والاختتام بالمهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط.

وأتاحت له هذه التجارب العمل مع فرق فنية وتنظيمية ومؤسسات شريكة، ومواكبة مراحل إعداد التظاهرات وتنفيذ برامجها، وهي خبرات ترتبط بجانب من متطلبات مسؤوليته الجديدة.

من بروكسيل إلى العمل الثقافي المحلي

في سنة 2022، انتقل نحيلة إلى بروكسيل للاستفادة من تدريب مهني متخصص في إدارة المراكز الثقافية والمسارح الكبرى، ضمن برنامج التعاون الثنائي بين المغرب وفيدرالية والونيا–بروكسيل. وشملت هذه التجربة الاطلاع على أساليب تسيير المؤسسات الثقافية وتدبير مرافقها وبرامجها وعلاقتها بالجمهور.

وشارك أيضا في لجان تحكيم الجوائز الدولية للابتكار في السياسة، خلال دورات وارسو سنة 2023، وبرشلونة سنة 2024، وفيينا سنة 2025. وبحسب المعطيات التعريفية المقدمة عن مساره، حظيت تجربته الثقافية بتنويه ضمن نشرة "الثقافة والسياسات العمومية" الصادرة عن منظمة اليونسكو سنة 2021.

وبموازاة نشاطه المهني، يواصل تكوينه بسلك الماستر في "الدراسات الدولية والمهن الدبلوماسية" بجامعة محمد الخامس بالرباط، بما ينسجم مع اهتمامه بالعلاقة بين الثقافة والدبلوماسية والسياسات العمومية، وبأدوار التعاون الدولي في تطوير المشاريع الثقافية.

الشباب والثقافة ضمن رهانات الجهوية المتقدمة

تندرج مهمة المركز الجديد ضمن سؤال عملي تواجهه المؤسسات الثقافية خارج الحواضر الكبرى: كيف يمكن توفير برامج منتظمة تتيح للشباب التكوين والإنتاج وتقديم أعمالهم بالقرب من أماكن إقامتهم؟

وتتقاطع هذه المهمة مع التوجهات التي أكدها الملك محمد السادس في خطاب افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، بشأن وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، وضمان تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي. كما شدد الملك على أهمية العمل الميداني على المستوى الترابي، وربط النهوض بالتنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري. 

وفي القطاع الثقافي، يشكل تطوير المؤسسات المحلية أحد مجالات تقريب الخدمات من السكان. فوجود فضاء للتكوين والعرض ومواكبة المبادرات يتيح اكتشاف كفاءات جديدة، ويساعد الفنانين والجمعيات على تطوير أنشطتهم، ويعزز مشاركة الشباب في الحياة الثقافية لمدنهم.

وفي هذا الإطار، يراهن نحيلة على جعل مركز سيدي قاسم فضاء يجمع بين الإبداع والتكوين واحتضان المواهب، مع الانفتاح على المبادرات والمقاولات الناشئة في الصناعات الثقافية والإبداعية. وتشمل رؤيته تنويع العرض الفني، وتطوير الخدمات الرقمية، وبناء شراكات مع المؤسسات العمومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

تجربة جمعوية تواكب المسؤولية الجديدة

سبق لنحيلة أن اشتغل على مشاريع موجهة إلى الشباب من خلال مؤسسة رحلة للفنون الحية، التي أسسها سنة 2018 وتولى رئاستها، ثم ملتقى سلام للفنون المعاصرة، الذي أطلقه سنة 2021. واهتمت هذه المبادرات بالتكوين وتشجيع الإبداع وتوسيع المشاركة الثقافية، وأتاحت له تجربة في إعداد المشاريع والتنسيق مع الشركاء.

وتنتقل هذه الخبرة اليوم إلى إطار مؤسسة عمومية تستعد لاستقبال جمهورها الأول. وتتمثل الأولويات المقبلة في إعداد برمجة تستجيب لحاجات المدينة، وتنظيم الاستفادة من مرافق المركز، وإقامة تعاون مع الفاعلين الثقافيين والتربويين، بما يوفر للشباب فرصاً منتظمة للتعلم والممارسة وعرض أعمالهم.

وبذلك، تبدأ محطة جديدة في مسار نحيلة داخل المدينة التي انطلق منها، بمهمة واضحة: الإسهام في تشغيل مركزها الثقافي الجديد وتطوير خدماته، وربط أنشطته بالمواهب المحلية وحاجات السكان.