يسرع المغرب وتيرة تحديث وتوسيع بنياته التحتية المطارية، من خلال برنامج استثماري بقيمة 28 مليار درهم، يروم تعزيز الطاقة الاستيعابية للمطارات الوطنية، وتطوير تجهيزاتها، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين، في إطار استراتيجية "مطارات 2030"، التي تستهدف رفع القدرة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر سنويا بحلول سنة 2030، مقابل نحو 34 مليون مسافر سنة 2024.
ويعكس هذا البرنامج، الذي سبق أن أعلن عنه وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، في أبريل 2025، توجه المملكة نحو تكييف شبكتها المطارية مع النمو المرتقب لحركة النقل الجوي، ومواكبة الطلب المتزايد على الرحلات الدولية، فضلا عن دعم القطاع السياحي وتعزيز المبادلات الاقتصادية والتجارية.
وتشمل الاستثمارات المبرمجة توسيع المحطات الجوية، وتهيئة مدارج الطائرات وممرات تحركها، وإحداث أبراج جديدة للمراقبة، إلى جانب تعزيز الطاقة الاستيعابية لمواقف الطائرات وتحديث أنظمة الملاحة الجوية.
ولا تقتصر أهداف هذا الورش على تطوير التجهيزات المطارية، بل تمتد إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المطارات في استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتيسير تنقل رجال الأعمال، ودعم حركة البضائع، وربط المقاولات المغربية بالأسواق وسلاسل القيمة الدولية.
وتشمل استراتيجية "مطارات 2030" عددا من المطارات الرئيسية والجهوية، مع إيلاء أهمية خاصة للدار البيضاء، باعتبارها مركزا محوريا للنقل الجوي الدولي، إلى جانب مطارات الرباط سلا، وفاس سايس، وتطوان سانية الرمل، التي سبق أن أعلن وزير النقل واللوجستيك عن مشاريع لتوسيعها.
كما يتضمن البرنامج إحداث مشروع مطاري جديد بالدار البيضاء، وتحديث مطار محمد الخامس الدولي، بما يمكن من تعزيز قدرة المملكة على استيعاب الرحلات الجوية بعيدة المدى، وتطوير الربط الجوي مع مختلف الوجهات الدولية.
ويرتقب أن تسهم أشغال توسيع المحطات الجوية في رفع عدد المسافرين الذين يمكن استقبالهم، فيما تهدف عمليات تهيئة المدارج وممرات تحرك الطائرات ومواقفها إلى تحسين القدرة التشغيلية للمطارات وتقليص فترات الانتظار.
وتشمل عملية التحديث أيضا تجهيزات المراقبة والملاحة الجوية، باعتبارها من المكونات الأساسية لضمان سلامة الرحلات وتنظيم حركة الطائرات، فضلا عن تطوير الخدمات الموجهة للمسافرين، من خلال اعتماد أنظمة آلية لمعالجة الأمتعة، وتحديث معدات المراقبة الأمنية، وإدماج حلول رقمية لتسهيل إجراءات العبور.
ويحتل مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء موقعا مركزيا ضمن هذه الاستراتيجية، في ظل التوجه نحو تعزيز مكانة المملكة كمحور للربط الجوي بين إفريقيا وأوروبا وباقي مناطق العالم.
ويرتبط تطوير المنصة المطارية للدار البيضاء كذلك بالمخططات التوسعية لشركة الخطوط الملكية المغربية، التي تستهدف رفع أسطولها الجوي من 50 إلى 100 طائرة بحلول سنة 2030، وفق ما سبق أن أعلنه وزير النقل واللوجستيك في أبريل 2025.
ومن شأن تعزيز الربط الجوي الدولي انطلاقا من الدار البيضاء أن يسهم في تسهيل تنقل المستثمرين والأطر والخبراء، وتوسيع فرص المبادلات التجارية، وتحسين ولوج المقاولات المغربية إلى الأسواق الخارجية، فضلا عن تقوية جاذبية المملكة لاحتضان المقرات الجهوية للشركات الدولية والأنشطة المرتبطة بالخدمات واللوجستيك.
وبموازاة ذلك، يشكل تطوير المطارات الجهوية ركيزة أساسية لمواكبة النمو السياحي والاقتصادي بمختلف جهات المملكة، خاصة في مدن مراكش وأكادير وفاس وطنجة، التي تستقطب أعدادا مهمة من المسافرين والسياح ورجال الأعمال.
وفي هذا السياق، وقع المغرب والبنك الإفريقي للتنمية، يوم 29 شتنبر 2026 بالدار البيضاء، اتفاقية تمويل بقيمة 270 مليون يورو لفائدة المكتب الوطني للمطارات، تخصص لبرنامج توسيع وتحديث البنيات التحتية المطارية، الذي يستهدف على الخصوص مطارات مراكش وأكادير وفاس وطنجة.
ويشمل هذا البرنامج توسيع وتجديد المحطات الجوية، وتهيئة مواقف الطائرات وممرات تحركها، وبناء برج جديد للمراقبة بمراكش، فضلا عن تحديث تجهيزات السلامة والأمن وأنظمة معالجة الأمتعة.
ويعد هذا التمويل عملية مستقلة عن الغلاف الاستثماري الإجمالي البالغ 28 مليار درهم، المعلن عنه في إطار استراتيجية "مطارات 2030"، وإن كان يندرج ضمن التوجه العام الرامي إلى تحديث البنيات التحتية للنقل الجوي بالمملكة.
ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة في ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها نهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، التي سينظمها بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
فإلى جانب الرفع من الطاقة الاستيعابية، تراهن المملكة على تحسين تجربة المسافرين، وتسهيل إجراءات المراقبة والعبور، وتطوير الخدمات داخل المحطات الجوية، بما يضمن استقبال الأعداد المتزايدة من الزوار في ظروف ملائمة.
كما يرتقب أن تتيح الاستثمارات المبرمجة فرصا اقتصادية لعدد من القطاعات المرتبطة بإنجاز المشاريع المطارية وتشغيلها، وفي مقدمتها البناء والأشغال العمومية، والهندسة، والتجهيزات الكهربائية والإلكترونية، والأنظمة الرقمية، والصيانة والخدمات التقنية المتخصصة.
ومن شأن هذه المشاريع أن تفتح آفاقا أمام المقاولات المغربية للمشاركة في إنجاز الأشغال وتوفير المعدات والخدمات، بما يساهم في تطوير الخبرات الوطنية وتعزيز قدرات الفاعلين المحليين في المجالات المرتبطة بصناعة الطيران وتدبير البنيات التحتية.
وتبرز في هذا الإطار أهمية الاستثمار في تكوين الموارد البشرية، ولا سيما التقنيين والمتخصصين في صيانة المنشآت المطارية، وتدبير أنظمة الأمن والسلامة، ومراقبة الحركة الجوية، لمواكبة التوسع المرتقب في نشاط المطارات الوطنية.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن يساهم تحسين أداء المطارات في تعزيز التكامل بين النقل الجوي والسياحة والتجارة والخدمات اللوجستية، غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطا بجودة الربط بين المطارات وباقي شبكات النقل، وتطور حركة المسافرين والشحن الجوي.
ومع تخصيص استثمارات بقيمة 28 مليار درهم، يبرز تحدي تنفيذ المشاريع واحترام آجال إنجازها باعتباره عاملا حاسما في نجاح هذه الاستراتيجية، خاصة في ظل الحاجة إلى ضمان استمرارية الخدمات المطارية خلال فترات الأشغال، والالتزام بمعايير السلامة وجودة التجهيزات.
كما تكتسي الشفافية في تدبير الصفقات وتتبع كلفة المشاريع ومواعيد تسليمها أهمية أساسية لتقييم مدى تقدم البرنامج، إلى جانب قياس التحسن الفعلي في الطاقة الاستيعابية وجودة الخدمات والمردودية الاقتصادية للاستثمارات المنجزة.
ويعكس انخراط البنك الإفريقي للتنمية في تمويل مشاريع تحديث المطارات المغربية اهتمام المؤسسات المالية الدولية بمواكبة تطوير البنيات التحتية للمملكة، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للنقل الجوي والخدمات اللوجستية.
ويراهن المغرب، من خلال هذه الاستثمارات، على إحداث تحول نوعي في منظومته المطارية بحلول سنة 2030، بما يمكن من استيعاب النمو المرتقب في حركة النقل الجوي، وتعزيز جاذبية الوجهة المغربية، ودعم التنمية الاقتصادية.
غير أن نجاح هذا التحول لن يقاس فقط بعدد المحطات الموسعة والتجهيزات الجديدة، بل بقدرة المطارات الوطنية على تحسين أدائها التشغيلي، وتوفير خدمات أكثر جودة، وتعزيز مساهمتها المستدامة في تنافسية الاقتصاد الوطني.