الجمعة، 30 أكتوبر 2026

تونس تشهد أكبر مظاهرة ضد قيس سعيد منذ سنوات وسط غضب من تدهور الأوضاع الاقتصادية


شهدت العاصمة التونسية، السبت، واحدة من أكبر المظاهرات المناهضة للرئيس قيس سعيد منذ سنوات، بمشاركة آلاف المحتجين الذين اتهموه بتقويض المسار الديمقراطي وسوء تدبير الأزمة الاقتصادية، في ظل تصاعد الاستياء الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات العمومية.

وجاءت هذه المظاهرة، التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل بمشاركة منظمات المجتمع المدني وقوى سياسية معارضة، في وقت تواجه فيه تونس أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تتجلى في تراجع جودة الخدمات الأساسية، والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، ونقص الأدوية وعدد من المواد والسلع الضرورية.

وشهد شارع الحبيب بورقيبة، وسط العاصمة تونس، تجمعا حاشدا شاركت فيه أحزاب معارضة من مختلف التوجهات السياسية، إلى جانب محامين وأطباء وصحفيين وعاطلين عن العمل ونشطاء حقوقيين، في مشهد عكس تقاربا بين أطراف ظلت تعاني من الانقسامات خلال السنوات الماضية.

ويحمل اختيار شارع الحبيب بورقيبة رمزية سياسية خاصة، باعتباره أحد أبرز المواقع التي احتضنت احتجاجات الثورة التونسية سنة 2011، والتي أسهمت في إطلاق موجة الانتفاضات الشعبية التي شهدتها عدة دول عربية.

وتأتي هذه التعبئة بعد سنوات من الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد خلال سنتي 2021 و2022، والتي شملت حل البرلمان وإعفاء عشرات القضاة والحكم بمراسيم رئاسية، في خطوات وصفتها المعارضة بأنها انقلاب على المؤسسات الديمقراطية.

وتتهم منظمات حقوقية الرئيس التونسي بتشديد القيود المفروضة على المجتمع المدني والصحفيين والمعارضين السياسيين، من خلال الملاحقات القضائية والإجراءات التي تعتبرها تضييقا على الحريات العامة.

وفي المقابل، يرفض سعيد هذه الاتهامات، مؤكدا أنه لا يمارس حكما ديكتاتوريا، ومتهما خصومه السياسيين بالوقوف وراء افتعال أزمات اقتصادية وتأجيج التوترات الاجتماعية بهدف زعزعة الاستقرار.

وشكلت مظاهرة السبت اختبارا جديدا لقدرة المعارضة التونسية على التعبئة، بعدما نجحت أطراف سياسية ونقابية ومدنية مختلفة في تجاوز خلافاتها والمشاركة في تحرك مشترك ضد سياسات الرئيس.

وقال صلاح الدين السالمي، القيادي في الاتحاد العام التونسي للشغل، خلال كلمة أمام المتظاهرين، إن الصمت لم يعد مقبولا إزاء الأوضاع التي تشهدها البلاد، مؤكدا أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على تركيز جميع السلطات في يد شخص واحد.

وردد المشاركون شعارات مناهضة للسلطة، من بينها "لا خوف لا رعب والسلطة ملك الشعب"، و"السجون امتلأت والشعب جائع"، كما أعادوا رفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، الذي ارتبط بالثورة التونسية سنة 2011.

وطالب المحتجون بالإفراج عن معارضي الرئيس قيس سعيد الموجودين في السجون، ووضع حد لما وصفوه بالاعتداءات على الحقوق النقابية والحريات العامة، في وقت رفع فيه عدد من المشاركين لافتات تندد بالبطالة والتلوث وتراجع القدرة الشرائية.

وشهدت العاصمة انتشارا أمنيا مكثفا، حيث نشرت السلطات مئات من عناصر الشرطة في محيط شارع الحبيب بورقيبة والمناطق المجاورة، بالتزامن مع توافد المتظاهرين للمشاركة في الاحتجاجات.

وعبر عدد من المشاركين عن استيائهم من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس، معتبرين أن استمرار الانقطاعات في الخدمات الأساسية ونقص المواد الضرورية يعكس عمق الأزمة التي تواجهها البلاد.

وقال ياسين الغرسلي، أحد المتظاهرين القادمين من مدينة صفاقس، الواقعة على بعد نحو 250 كيلومترا جنوب العاصمة، إن الأوضاع بلغت مرحلة لم يعد بالإمكان تحملها، في ظل تكرار الأزمات وانقطاع الماء والكهرباء.

وأضاف الغرسلي أنه قدم من صفاقس للدفاع عن حريته، مؤكدا أنه لن يتراجع عن التعبير عن موقفه حتى لو أصبح آخر صوت معارض في البلاد.

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق تزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية على السلطات التونسية، مع استمرار التحديات المرتبطة بالبطالة والخدمات العمومية والتفاوتات الاقتصادية، إلى جانب الخلافات بشأن وضع الحريات والمؤسسات السياسية.

ويعكس اتساع المشاركة في هذه المظاهرة قدرة القوى النقابية والسياسية والمدنية على تنظيم تحركات مشتركة، بعدما حدت الانقسامات الداخلية خلال السنوات الماضية من قدرتها على حشد أعداد كبيرة من المحتجين.