الخميس، 29 أكتوبر 2026

فرنسا تفرض حظر تجول جزئيا بعد أعمال شغب واسعة خلفت 2400 موقوف


فرضت السلطات الفرنسية، أمس الاثنين، حظر تجول جزئيا في عدد من المدن، من بينها باريس وليل ونيس، في محاولة لاحتواء موجة الاضطرابات التي شهدتها البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع، عقب تحول مظاهرات واسعة ضد غلاء المعيشة إلى أعمال عنف ونهب وتخريب، أسفرت عن توقيف نحو 2400 شخص وإصابة قرابة ألف عنصر من قوات الأمن.

وجاءت هذه الإجراءات في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن الاختلالات الأمنية التي رافقت الاحتجاجات، بعدما أقرت السلطات بعدم كفاية التدابير المتخذة لحماية الممتلكات العامة والخاصة، رغم تعبئة نحو 60 ألف عنصر من الشرطة وقوات الأمن خلال مظاهرات السبت.

وأكد رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، أن الحكومة عازمة على استعادة النظام العام، مستبعدا في الوقت الراهن فرض حظر تجول شامل في العاصمة باريس، مع إبقاء خيار إعلان حالة الطوارئ مطروحا في حال استمرار الاضطرابات.

وأوضح لوكورنو أن السلطات تفضل اعتماد إجراءات أمنية محددة جغرافيا، تشمل فرض حظر التجول في المناطق الأكثر تضررا، بدلا من تطبيق قيود عامة على جميع السكان.

وفي باريس، أعلنت مديرية الشرطة منع المظاهرات والتجمعات في مناطق معينة من العاصمة ابتداء من الساعة الثامنة مساء، إلى جانب فرض حظر تجول بمحيط ساحة الجمهورية ومنطقة ليهال ابتداء من الساعة الحادية عشرة ليلا، على أن تستمر الإجراءات إلى غاية السادسة صباح الثلاثاء.

وأكدت الشرطة الفرنسية نشر تعزيزات أمنية لضمان الالتزام الصارم بهذه التدابير، في ظل المخاوف من تجدد أعمال العنف التي استهدفت خلال الأيام الماضية محلات تجارية ومؤسسات عمومية.

وفي شمال البلاد، تقرر فرض حظر تجول على القاصرين بين الساعة الثامنة مساء والسادسة صباحا لمدة يومين، في مدن ليل ودواي وواتيني ودونان، بالتنسيق مع رؤساء البلديات المعنية.

كما أعلن عمدة مدينة نيس، إريك سيوتي، توقيع قرار يقضي بفرض حظر تجول ليلي على القاصرين بوسط المدينة، فيما قررت السلطات في مرسيليا منع التجمعات والمظاهرات في إطار الإجراءات الرامية إلى احتواء التوترات الأمنية.

وبموازاة هذه التدابير، دعت النقابات العمالية الفرنسية إلى تنظيم إضرابات وتجمعات احتجاجية جديدة على الصعيد الوطني يوم 5 نونبر المقبل، في مؤشر على استمرار التعبئة الاجتماعية رغم القيود الأمنية الجديدة.

وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من الاحتجاجات التي قادها طلبة وتلاميذ للمطالبة بتحسين أوضاع التعليم والخدمات العمومية، قبل أن تتوسع لتشمل فئات اجتماعية أخرى تحتج على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وفي معرض تعليقه على أحداث العنف، اتهم رئيس الوزراء الفرنسي مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي إلى إثارة اضطرابات واسعة في البلاد، قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة سنة 2027.

وقال لوكورنو إن هناك تيارا من اليسار المتطرف يسعى، بحسب تعبيره، إلى إحداث حالة من الاضطراب العميق في فرنسا خلال الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية.

وفي المقابل، طالب زعيم اليسار الراديكالي والمرشح الرئاسي، جان لوك ميلانشون، رئيس الوزراء بتقديم أدلة تدعم اتهاماته، داعيا إياه إلى الاعتذار والتوقف عن الإدلاء بتصريحات من شأنها تأجيج التوترات.

وكشفت الاتحادية الفرنسية للتجارة والتوزيع أن ما يقارب 3000 محل تجاري تضررت خلال أعمال العنف والنهب التي شهدتها البلاد، مؤكدة أن الخسائر لم تقتصر على الممتلكات، بل طالت أيضا أصحاب المقاولات والعاملين بها وأسرهم.

ودعت الاتحادية إلى اتخاذ تدابير استعجالية لدعم المقاولات المتضررة، تشمل تخفيف الأعباء الضريبية والاجتماعية، لمساعدتها على استئناف نشاطها الاقتصادي بعد الخسائر التي تكبدتها.

وفي هذا السياق، أعلن لوكورنو أن الحكومة ستشرع، ابتداء من الثلاثاء، في تفعيل تدابير لدعم النشاط الجزئي للعمال بالمقاولات المتضررة، بهدف الحد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لأعمال التخريب.

وفي مرسيليا، قال جيرار نوشي، الذي يدير متجرين للملابس، إن أعداد الشرطة لم تكن كافية لمنع عمليات النهب، مشيرا إلى أن المعتدين حطموا الممتلكات ووجهوا الإهانات لأصحاب المحلات والعاملين فيها.

ووصف نوشي ما وقع بأنه أشبه بإعصار اجتاح المنطقة، بعدما تعرضت المحلات التجارية لأضرار واسعة خلال ساعات قليلة.

كما أمرت الحكومة الفرنسية المنصات الإلكترونية التي تعرض سلعا للبيع بحذف الإعلانات المتعلقة بالمنتجات المنهوبة، والتعاون مع السلطات المختصة لتحديد هوية الأشخاص الذين يحاولون إعادة بيع المسروقات ومتابعتهم قضائيا.

وأعلنت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالرقمنة، آن لو هينانف، هذا الإجراء عبر منصة "إكس"، في إطار جهود السلطات لمنع تصريف البضائع المسروقة عبر مواقع التجارة الإلكترونية.

وبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، أسفرت الاضطرابات عن توقيف نحو 2400 شخص، فيما توفي أحد المتظاهرين إثر إصابته بسكتة قلبية خلال احتجاجات السبت، وأصيب ما يقارب ألف عنصر من قوات الأمن.

وفي سياق متصل، أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون رفض طلب الاستقالة الذي تقدم به وزير الداخلية، لوران نونيز، على خلفية الانتقادات التي طالت التدبير الأمني للاحتجاجات.

وطلب ماكرون من وزير الداخلية التركيز على إنهاء أعمال التخريب والنهب وإزالة الحواجز التي أقيمت خلال الاضطرابات، مع التحلي بالشفافية بشأن الاختلالات التي شابت جمع المعلومات الاستخباراتية والاستعدادات الأمنية.

وكان نونيز قد أقر بأن تعبئة 60 ألف عنصر من الشرطة والقوات الأمنية خلال مظاهرات السبت لم تكن كافية للسيطرة على المجموعات العنيفة، في اعتراف رسمي بحجم الصعوبات التي واجهتها الأجهزة الأمنية.

وفي مقال مشترك نشرته صحيفة "ليبيراسيون"، انتقد رؤساء بلديات باريس ومرسيليا وليون ما وصفوه بغياب الحماية الأمنية عن أجزاء واسعة من مدنهم خلال أحداث السبت.

وأكد المسؤولون المحليون أنهم اعتادوا التعامل مع المظاهرات والاحتجاجات، غير أنهم شعروا للمرة الأولى بأن أحياء كاملة تركت دون حماية كافية في مواجهة أعمال العنف.

وشهدت العاصمة الفرنسية أضرارا واسعة في عدد من الأحياء التجارية الراقية، خاصة بساحة فاندوم، التي تضم فنادق فاخرة ومتاجر علامات تجارية عالمية، حيث أغلقت معظم المحلات أبوابها الاثنين وسط انتشار عناصر الأمن الخاص.

وتعرض المدخل الرئيسي لأحد متاجر "ديور" للتحطيم، كما لحقت أضرار بواجهات محلات تابعة لعلامات "رولكس" و"لويس فويتون" و"رالف لورين" و"غوتشي" في وسط باريس.

وفي مرسيليا، أعلن نادي أولمبيك مرسيليا لكرة القدم تعرض متجره الرسمي للنهب خلال الاضطرابات، فيما خلف حريق متعمد أضرارا جسيمة بمقر بلدية ليموج التاريخي وسط فرنسا.

وامتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق المالية، حيث سجلت الأصول الفرنسية أداء أضعف مقارنة بباقي الأسواق الأوروبية خلال تعاملات الاثنين، وسط مخاوف المستثمرين من تأثير الاضطرابات الاجتماعية على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وتواجه الحكومة الفرنسية هذه التطورات في وقت تسعى فيه إلى تمرير مشروع الميزانية العامة وضبط المالية العمومية، في ظل التحديات المرتبطة بتباطؤ الاقتصاد وارتفاع الدين العام.

ورغم انطلاق العطلة المدرسية، الاثنين، استمرت تجمعات وتحركات طلابية في بعض المواقع، من بينها محيط متحف اللوفر ومعهد الدراسات السياسية بباريس، حيث نظم محتجون تجمعات وأقاموا حواجز احتجاجية.

وفي خضم هذه الأزمة، أكدت السلطات الفرنسية إقامة مباراة باريس سان جيرمان وبرشلونة، المقررة مساء الثلاثاء ضمن دوري أبطال أوروبا، في موعدها المحدد، رغم استمرار الإجراءات الأمنية الاستثنائية.

كما دفعت الاضطرابات عددا من الحكومات الأوروبية إلى إصدار توصيات لمواطنيها المسافرين إلى فرنسا، تدعوهم إلى تجنب التجمعات الكبيرة وتوخي الحذر.

وتزامنت هذه الأحداث مع احتجاجات اجتماعية شهدتها دول أوروبية أخرى، من بينها إيطاليا وبلجيكا وألبانيا، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاقتصادية.

وفي الوقت الذي واصلت فيه السلطات عمليات تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار، وصل الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الكويت في زيارة إلى منطقة الخليج، تهدف إلى تأمين إمدادات إضافية من البنزين والغازوال، سعيا إلى تخفيف الضغوط على أسعار المحروقات في السوق الفرنسية.

وتضع هذه التطورات الحكومة الفرنسية أمام تحدي استعادة الاستقرار الأمني والاستجابة للمطالب الاجتماعية، في ظل استمرار التعبئة النقابية وتزايد المخاوف من تجدد الاضطرابات، قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقبلة.