الخميس، 29 أكتوبر 2026

ثغرات أمنية خطيرة تتسبب في تعطيل مواقع حكومية بأوروبا وسط مخاوف من هجمات إلكترونية


تسببت ثغرات أمنية خطيرة في لغة البرمجة "بي إتش بي"، المستخدمة على نطاق واسع في تشغيل المواقع الإلكترونية، في تعطيل عدد من المواقع والخدمات الحكومية بأوروبا، الأربعاء، بعدما سارعت مؤسسات رسمية إلى تعليق خدماتها الرقمية احترازيا، وسط تقارير عن شروع قراصنة في استغلال هذه الثغرات لتنفيذ هجمات إلكترونية.

وبحسب وكالة رويترز، شملت الإجراءات الاحترازية مؤسسات حكومية في هولندا وفنلندا وفرنسا والدنمارك، في وقت دعت فيه هيئات الأمن السيبراني في عدة دول إلى تحديث الأنظمة المتأثرة بشكل عاجل، أو إيقاف المواقع الإلكترونية مؤقتا إلى حين تثبيت الإصلاحات الأمنية اللازمة.

وكان مطورو لغة البرمجة "بي إتش بي" قد أعلنوا، الثلاثاء، اكتشاف ثغرتين أمنيتين بالغتي الخطورة، محذرين من إمكانية استغلالهما لاختراق المواقع الإلكترونية التي تعتمد على هذه التقنية، قبل أن يؤكدوا، الأربعاء، إصدار نسخة جديدة تتضمن الإصلاحات المطلوبة.

وجاء الإعلان عن توفر التحديث الأمني حوالي الساعة الواحدة و45 دقيقة بعد الزوال بتوقيت غرينتش، بعدما كانت مؤسسات حكومية وشركات قد بادرت إلى تعليق خدماتها الرقمية، تحسبا لاستغلال الثغرات قبل معالجتها.

وتكتسي هذه الثغرات أهمية خاصة بالنظر إلى الانتشار الواسع للغة "بي إتش بي" في البنية التقنية للإنترنت، إذ تشير بيانات مؤسسة "دبليو 3 تيكس" المتخصصة في تتبع تقنيات الويب إلى استخدامها في نحو 75% من المواقع التي يمكن تحديد لغة البرمجة التي تعتمد عليها.

وتشكل هذه اللغة أساسا تقنيا لعدد من أنظمة إدارة المحتوى والمنصات الإلكترونية، من بينها "ووردبريس" و"دروبال" و"جوملا" و"ماجنتو"، فضلا عن خدمات الاستضافة المشتركة ولوحات التحكم والعديد من التطبيقات الرقمية الأخرى.

ويكتسي انتشار "ووردبريس" أهمية إضافية في هذا السياق، باعتباره يشغل نحو 43% من المواقع الإلكترونية عبر العالم، بما فيها مواقع المؤسسات الحكومية والمتاجر الرقمية والمؤسسات الإعلامية والشركات الصغيرة.

وحذرت شركة الأمن السيبراني "هانتريس" من أن الاعتماد الواسع على هذه اللغة يجعل نطاق التأثر المحتمل بالثغرات كبيرا، خصوصا أن عددا من التطبيقات والخدمات يستخدمها دون أن يكون ذلك واضحا للمستخدمين أو المسؤولين عن المواقع.

من جانبه، أكد داين كنيخت، المدير التقني لشركة "كلاودفلير" المتخصصة في خدمات الأمن والحوسبة السحابية، رصد محاولات أولية لاستغلال الثغرات، مشيرا إلى أن الشركة تعمل على تحديث قواعد جدار الحماية لمواجهة أساليب الهجوم المكتشفة.

وشدد كنيخت، في منشور على منصة "إكس"، على أن هذه الإجراءات لا تمثل سوى حلول مؤقتة، داعيا المسؤولين عن المواقع إلى تثبيت التحديث الأمني فور توفره، باعتباره الوسيلة الأساسية لمعالجة الثغرات.

وفي السياق ذاته، أوضحت خدمة "ووردفنس" المتخصصة في حماية مواقع "ووردبريس" أن جميع المواقع التي تستخدم هذا النظام تعتمد على خوادم مثبت عليها برنامج "بي إتش بي"، محذرة من أن التحديثات التلقائية للمواقع لا تعني بالضرورة تثبيت الإصلاح الأمني الخاص بلغة البرمجة.

ودعت الخدمة أصحاب المواقع إلى التواصل مع الجهات المسؤولة عن إدارة خوادمهم، للتأكد من تثبيت النسخة الأمنية الجديدة ومعالجة نقاط الضعف المحتملة.

وأصدرت وكالات الأمن السيبراني في عدد من الدول الأوروبية وأستراليا واليابان وبريطانيا تنبيهات تدعو إلى التحرك العاجل، عبر تحديث الأنظمة أو تعليق تشغيل المواقع المعرضة للخطر إلى حين استكمال الإجراءات الوقائية.

وفي هولندا، أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني تعليق موقعه الإلكتروني احترازيا، قبل أن تتخذ مؤسسات أخرى خطوات مماثلة، شملت ميناء روتردام، والبوابة الحكومية الرسمية، والاتحاد الهولندي لكرة القدم، والمواقع الإلكترونية لأكبر خمسة أحزاب سياسية في البلاد، إلى جانب عدد من المستشفيات.

وامتدت الاضطرابات إلى فنلندا، حيث أعلنت مؤسسة "فالتوري" الحكومية المكلفة بخدمات تكنولوجيا المعلومات إيقاف خدمات الشبكة العامة التابعة للدولة، في إجراء احترازي يهدف إلى حماية الأنظمة من أي اختراق محتمل.

وفي الدنمارك، أكدت شركة "كومبيت" المسؤولة عن خدمات تكنولوجيا المعلومات لفائدة البلديات تعليق عدد من الخدمات الرقمية، من بينها المنصة الوطنية للتواصل المدرسي، وفق ما أفاد به متحدث باسمها لوكالة رويترز.

كما أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف عدد من المواقع الإلكترونية الإدارية التابعة للسلطات المحلية بصورة مؤقتة، في انتظار توفر الإصلاحات الأمنية اللازمة.

وبحسب مسؤولين في مجال الأمن السيبراني، فإن الإصدارات المختلفة من لغة "بي إتش بي"، ابتداء من الإصدار الخامس، قد تكون معرضة للتأثر بهذه الثغرات، رغم أن مطوري اللغة لم يحددوا بعد بصورة رسمية جميع الإصدارات المتضررة.

ويرى خبراء أن خطورة الوضع ترتبط بإمكانية استغلال الثغرات لاستهداف أعداد كبيرة من الخوادم في وقت متزامن، بدلا من تنفيذ هجمات منفصلة على كل موقع، خصوصا مع توفر أدوات تسمح للمهاجمين بالبحث الآلي عن الأنظمة التي تستخدم إصدارات ضعيفة الحماية.

وحذر لوكاش أولينيك، الباحث الزائر في كلية كينغز بلندن، من أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية قد يزيد من سرعة استغلال الثغرات واتساع نطاقها، بالنظر إلى قدرة هذه الأدوات على تسريع عمليات البحث عن الأنظمة المعرضة للاختراق.

وتبدو المواقع الصغيرة التي يديرها أفراد أو مؤسسات محدودة الموارد التقنية أكثر عرضة لاستمرار المخاطر، خاصة تلك التي تعتمد على خدمات الاستضافة المشتركة، حيث لا يتحكم أصحاب المواقع بصورة مباشرة في تحديث البرمجيات المثبتة على الخوادم.

وفي المقابل، أكدت شركة "أوتوماتيك"، المشغلة لمنصة "ووردبريس دوت كوم"، أن فرقها تعمل بالتنسيق مع المسؤولين عن أمن لغة "بي إتش بي" لضمان تنفيذ التحديثات بصورة سلسة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن الثغرات.

وتأتي هذه التطورات في ظل تزايد المخاوف من اتساع نطاق الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الرقمية، فيما تواصل الجهات المختصة حث المؤسسات وأصحاب المواقع على الإسراع في تثبيت الإصلاحات الأمنية، باعتبارها الإجراء الأساسي للحد من مخاطر استغلال الثغرات المكتشفة.