شهدت عدة مناطق تونسية، خلال اليومين الماضيين، موجة من الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية التي أسفرت عن مواجهات مع قوات الأمن وإغلاق طرق وإضرام النيران في إطارات مطاطية، على خلفية خمس وفيات وقعت في ظروف مختلفة، وسط تصاعد ملحوظ في عدد التحركات الاحتجاجية بالبلاد.
وبحسب ما أوردته صحيفة "بيزنس نيوز" التونسية، شملت الاضطرابات مناطق جبنيانة وعقارب وصفاقس والتضامن ومنزل بوزلفة، حيث خرج سكان وطلبة إلى الشوارع للمطالبة بكشف ملابسات بعض الوفيات، وتحسين الخدمات العمومية، والاستجابة لمطالب اجتماعية وبيئية.
وتأتي هذه التطورات في وقت كشفت فيه بيانات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن ارتفاع عدد التحركات الاجتماعية بنسبة 119% خلال الربع الثالث من السنة الجارية، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي مدينة جبنيانة التابعة لمحافظة صفاقس، اندلعت احتجاجات عقب وفاة الشاب عون الصالحي، البالغ من العمر 25 سنة، الأربعاء، في ظروف أثارت تساؤلات بشأن تدخل أمني محتمل.
ونقلت الصحيفة عن شهادات محلية أن الشاب توفي عقب مطاردة أمنية على الطريق الرابطة بين جبنيانة والحنشة، دون أن تتضح بعد الظروف الدقيقة للوفاة.
وتجمع عدد من السكان أمام المستشفى للمطالبة بتوضيحات بشأن الحادث، قبل أن تشهد المنطقة مواجهات مع قوات الأمن وإحراق إطارات مطاطية، وسط تقارير عن استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
وأعادت الحادثة إلى الواجهة وفاة شاب آخر يدعى أسامة العتور قبل سنوات، في ظروف ربطتها شهادات محلية بمطاردة أمنية مماثلة، ما دفع المحتجين إلى المطالبة بكشف حقيقة الواقعة الجديدة وتحديد المسؤوليات المحتملة.
وفي مدينة عقارب، التابعة بدورها لمحافظة صفاقس، شهدت المنطقة احتجاجات عقب وفاة رجل يبلغ نحو 45 سنة، بعدما أضرم النار في جسده أمام مقر المعتمدية، الثلاثاء.
وكان الرجل قد نقل إلى المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، متأثرا بحروق خطيرة، قبل أن يفارق الحياة في اليوم التالي، فيما لم تتضح بعد الأسباب التي دفعته إلى الإقدام على هذا الفعل.
وأثارت وفاته احتجاجات ليلية تخللتها عمليات إغلاق طرق ومواجهات مع قوات الأمن، بينما عبر عدد من السكان عن استيائهم من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة، وما اعتبروه تهميشا مستمرا للمنطقة.
وفي مدينة صفاقس، أثارت وفاة الطالبة رحمة الدزيري، المسجلة بالمعهد العالي للدراسات التكنولوجية، احتجاجات في الأوساط الجامعية، بعدما تعرضت لوعكة صحية داخل المبيت الجامعي بسيدي منصور، ليلة الأربعاء.
وأفادت شهادات طلابية بتأخر وصول فرق الإسعاف بنحو ساعة ونصف، وهي مدة لم تؤكدها السلطات رسميا.
وعلى إثر الحادث، أعلن الاتحاد العام لطلبة تونس إضرابا عاما، الجمعة، في المؤسسات الجامعية بصفاقس، احتجاجا على ما وصفه بغياب التجهيزات الطبية الضرورية داخل المبيتات الجامعية.
وطالب الاتحاد بتوفير وحدات صحية مجهزة وقادرة على التدخل السريع في الحالات الاستعجالية، لتفادي تكرار حوادث مماثلة.
وفي حي التضامن الشعبي بمحافظة أريانة، اندلعت مواجهات بين السكان وقوات الأمن، الخميس، عقب وفاة شاب في اليوم السابق، إثر تدخل أمني أثار روايات متضاربة بشأن ظروف الحادث.
وخرج محتجون إلى الشوارع، حيث أغلقت بعض الطرق وأحرقت إطارات مطاطية، فيما استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع خلال المواجهات.
واتهم والد الشاب المتوفى، في مقطع فيديو جرى تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عناصر أمنية بالاعتداء جسديا على ابنه خلال تدخل داخل منزل الأسرة، كما تحدث عن تعرض أبنائه الآخرين لاعتداءات لفظية وجسدية.
وادعى الأب أن عناصر الأمن أطلقت قنابل غاز مسيل للدموع داخل المنزل، مشيرا إلى تعرضه لتهديدات، ومعلنا عزمه اتخاذ إجراءات قضائية ضد الأشخاص الذين يعتبرهم مسؤولين عن وفاة ابنه.
في المقابل، قدم مصدر أمني، نقلت عنه إذاعة "موزاييك إف إم"، رواية مختلفة، مفادها أن قوات الأمن نفذت مداهمة لمنزل الشاب للاشتباه في تورطه في قضية تتعلق بالمخدرات.
وبحسب الرواية الأمنية، أقدم الشاب خلال التدخل على ابتلاع مواد مخدرة كانت بحوزته، قبل أن تتدهور حالته الصحية لاحقا داخل مقر الفرقة الأمنية، أثناء إجراء الأبحاث وبحضور محاميته.
وأضاف المصدر أن المعني بالأمر نقل إلى المستشفى المحلي بحي التضامن، حيث جرى تأكيد وفاته.
وأفادت الصحيفة بفتح تحقيق لتحديد ظروف الوفاة والمسؤوليات المحتملة، في ظل استمرار التناقض بين رواية الأسرة والمعطيات المنقولة عن المصدر الأمني، وعدم صدور نتائج نهائية بشأن الأسباب الطبية للوفاة.
وفي منطقة منزل بوزلفة التابعة لمحافظة نابل، تصاعدت الاحتجاجات المرتبطة بخلاف بيئي حول نشاط مصنع لتربية ذبابة الجندي الأسود، يقع بالقرب من مساكن ومؤسسات عمومية.
ويطالب سكان المنطقة بإغلاق المصنع، بسبب ما يقولون إنها أضرار صحية وبيئية ناجمة عن نشاطه، بعدما نظموا اعتصامات أمام المنشأة خلال الأسابيع الماضية.
وتفاقم التوتر عقب وفاة أحد المشاركين في الاحتجاجات، ويدعى حسين الدريدي، الأربعاء، بعدما صدمته سيارة في ظروف يجري التحقيق فيها لتحديد ما إذا كان الحادث عرضيا أو متعمدا.
وفي الليلة الممتدة من الأربعاء إلى الخميس، اندلع حريق أتى على المصنع بالكامل، فيما فتحت السلطات تحقيقا قضائيا للكشف عن أسبابه، وتحديد ما إذا كانت هناك علاقة بين الحريق وحادثة السير والحركة الاحتجاجية.
وانتقدت النائبة البرلمانية ريم الصغير طريقة تدبير الملف من طرف السلطات المحلية، مشيرة إلى أن قرارات سابقة بإغلاق المصنع لم تنفذ، وفق تصريحاتها.
وتتزامن هذه الأحداث مع ارتفاع كبير في عدد التحركات الاجتماعية بتونس، بحسب تقرير أصدره المرصد الاجتماعي التونسي، التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وأظهرت البيانات تسجيل 2882 تحركا اجتماعيا خلال الفترة الممتدة من يوليوز إلى شتنبر 2026، مقابل 1316 تحركا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة بلغت 119%.
كما ارتفع عدد التحركات من 1310 خلال الربع الأول إلى 1884 في الربع الثاني، قبل أن يصل إلى 2882 خلال الربع الثالث، ما يمثل زيادة بنسبة 53% مقارنة بالربع السابق.
وتشمل هذه الإحصائيات الإضرابات والاعتصامات والتجمعات الاحتجاجية وإغلاق الطرق ومختلف أشكال المطالب الجماعية، ولا تقتصر على المظاهرات أو المواجهات مع قوات الأمن.
وبحسب التقرير، شارك السكان في 1713 تحركا اجتماعيا، أي ما يقارب 60% من المجموع، فيما ارتبط 1390 تحركا بانقطاع خدمات الماء والكهرباء، بما يمثل أكثر من 48% من إجمالي التحركات المسجلة.
وتعكس هذه المعطيات اتساع نطاق المطالب المرتبطة بالظروف المعيشية والخدمات الأساسية، إلى جانب القضايا المتعلقة بالتشغيل والأجور وظروف العمل.
وكانت العاصمة تونس قد شهدت، السبت الماضي، مظاهرة شارك فيها نحو ستة آلاف شخص، بحسب تقديرات صحيفة "بيزنس نيوز"، احتجاجا على القيود المفروضة على الحريات والسياسات المعتمدة من طرف السلطات.
وشارك في المظاهرة مدرسون وأطباء ومحامون وقضاة ونقابيون وطلبة وعاطلون عن العمل، وسط انتشار أمني مكثف وإغلاق عدد من الطرق المؤدية إلى وسط العاصمة.
وجرت تلك المظاهرة دون تسجيل حوادث كبيرة، فيما تختلف طبيعتها السياسية عن الاحتجاجات المحلية الأخيرة، التي ارتبطت أساسا بوفيات وظروف اجتماعية وبيئية محددة.
ولم تشر المعطيات المتاحة إلى وجود تنسيق تنظيمي بين هذه التحركات، رغم تزامنها مع تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
وفي موازاة ذلك، تشهد العلاقة بين السلطات وعدد من التنظيمات النقابية والحقوقية توترات متواصلة، على خلفية قضايا تتعلق بالحريات العامة والمتابعات القضائية التي تطال شخصيات سياسية وعامة.
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين قد أطلقوا، خلال شتنبر الماضي، مبادرة مشتركة للمطالبة بإحياء الحوار الوطني.
وتضع هذه التطورات السلطات التونسية أمام مطالب متزايدة تتعلق بكشف ملابسات الوفيات الأخيرة، وتحسين الخدمات العمومية، ومعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، في وقت تشير فيه الإحصائيات إلى استمرار ارتفاع وتيرة الاحتجاجات بمختلف مناطق البلاد.