يواصل المغرب تطوير بنياته المينائية وتعزيز موقعه في التجارة البحرية الدولية، من خلال مشاريع استراتيجية تمتد من ميناء طنجة المتوسط إلى المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، وصولا إلى مشروع طنجة المتوسط 3، في إطار استراتيجية أطلقها الملك محمد السادس قبل أكثر من عقدين.
وتعود بدايات هذه الاستراتيجية إلى 29 غشت 2002، عندما ترأس الملك محمد السادس جلسة عمل خصصت لمشروع طنجة المتوسط، وأعطى تعليماته لإنجاز بنية مينائية تهدف إلى تعزيز اندماج المملكة في المبادلات التجارية الدولية.
وفي 26 أبريل 2007، ترأس الملك جلسة عمل أخرى مهدت لتطوير قدرات مينائية إضافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، قبل أن تمتد المشاريع إلى جهة الشرق، مع إعطاء التعليمات الملكية في 2 يوليوز 2009 لإنجاز مركب الناظور غرب المتوسط، الذي يجمع بين الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية.
وشكلت جلسة العمل التي ترأسها الملك في 28 يناير الماضي بالدار البيضاء محطة لتقييم تقدم مشروع الناظور غرب المتوسط، قبل أن يترأس، الأربعاء بالقصر الملكي بالرباط، اجتماعا جديدا خصص لآخر مراحل إنجازه، إلى جانب مشروع توسعة طنجة المتوسط وإطلاق أشغال الميناء الجديد طنجة المتوسط 3.
وبلغ حجم الاستثمارات العمومية والخاصة التي تمت تعبئتها لإنجاز الناظور غرب المتوسط نحو 54 مليار درهم، فيما يستعد المركب لتشغيل أول محطة للحاويات خلال الأيام المقبلة، بطاقة استيعابية ستصل لاحقا إلى 3.5 ملايين حاوية.
ومن المرتقب أن تدخل المحطة الثانية، التي تبلغ طاقتها 1.8 مليون حاوية، حيز الخدمة في أبريل 2027، بما يعزز القدرات اللوجستية للمركب ومساهمته في المبادلات التجارية الدولية.
ويضم المشروع أيضا بنية تحتية طاقية تشمل منشآت لتخزين المحروقات ومحطة للغاز الطبيعي المسال، بطاقة معالجة قد تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويا، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الطاقي للمملكة.
وبالتوازي مع ذلك، يرتقب أن يساهم مشروع طنجة المتوسط 3، الذي رصد له استثمار بقيمة ثمانية مليارات درهم، في إضافة طاقة استيعابية تبلغ 4.5 ملايين حاوية سنويا، ما قد يرفع القدرة الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى 20 مليون حاوية، ويؤهله لدخول قائمة أكبر عشرة موانئ في العالم.
ولا تقتصر أهداف هذه المشاريع على توسيع القدرات المينائية، بل تشمل أيضا دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المستفيدة، من خلال استقطاب الاستثمارات وإحداث فرص الشغل وتطوير الكفاءات المحلية.
وفي هذا السياق، شدد الملك محمد السادس، خلال جلسة العمل الأخيرة، على ضرورة أن تستفيد مختلف الأقاليم المعنية من العائدات الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع، وأن تنعكس آثارها بصورة ملموسة على الظروف المعيشية للسكان.
كما دعا الملك إلى تسريع تنفيذ برامج تكوين تستجيب لمتطلبات الأنشطة الاقتصادية الجديدة، بهدف تسهيل الإدماج المهني للشباب وتمكينهم من الاستفادة من فرص الشغل المرتبطة بهذه المشاريع.
وبحسب المدير العام لطنجة المتوسط، إدريس أعرابي، يرتقب أن يوفر مركب الناظور غرب المتوسط، على المدى القريب، نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر.
وأكد أعرابي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أهمية تطوير برامج تكوين تتلاءم مع احتياجات الأنشطة الصناعية واللوجستية الجديدة، بما يسمح للشباب بالاندماج في سوق الشغل ويعزز استفادة المناطق المجاورة من النشاط الاقتصادي للمركب.
من جانبه، اعتبر المدير العام للناظور غرب المتوسط، محمد جمال بنجلون، أن مشروعي الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط 3 يندرجان ضمن التوجه الاستراتيجي الرامي إلى تعزيز مكانة المغرب كقوة بحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتعكس هذه المشاريع مسارا متواصلا لتطوير المنظومة المينائية المغربية، يجمع بين تعزيز التنافسية في التجارة الدولية وتقوية الأمن الطاقي وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل، مع التركيز على تحقيق انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة على المناطق المستفيدة.